شرح حديث: (عُرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد)
قال المصنف رحمه الله تعالى [باب: في كنس المسجد.
حدثنا عبد الوهاب بن عبد الحكم الخزاز أخبرنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن ابن جريج عن المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ (عُرضت علي أجور أمتي، حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد، وعرضت علي ذنوب أمتي فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)].
قوله: [باب في كنس المسجد].
أي: تنظيفه وإزالة ما يكون فيه من أوساخ، وهذا من الأمور المطلوبة، وقد سبق في حديث عائشة أن النبي ﷺ أمر باتخاذ المساجد في الدور وأن تُنظّف وتُطيّب، وتنظيفها هو كنسها وإزالة ما يكون فيها من أوساخ، وكذلك كل ما هو مستقذر، سواءٌ أكان نجسًا أم غير نجس.
وهذه الترجمة في كنس المسجد أورد فيها أبو داود رحمه الله حديثًا ضعيفًا، ولكن معنى الترجمة قد جاء في بعض الأحاديث الصحيحة، ومنها الحديث المتقدم، وهو حديث: (وأن تُنظّف)، والحديث الذي بعده (وأن تُطهر)، وهي تدل على أهمية تنظيف المساجد، وقد جاءت أحاديث في حرمة البصاق في المساجد.
قوله: (عُرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد).
أي: حتى أجر إخراج القذاة من المسجد.
وقوله: [(أوتيها)] ليس الحديث خاصًا بالرجال، بل والنساء كذلك، ولكن ذكر الرجال؛ لأن الخطاب كان معهم، فذِكْر الرجل لا مفهوم له، بل المرأة كذلك حكمها حكم الرجل، والأصل هو التساوي بين الرجال والنساء في الأحكام، إلا إذا جاء نص خاص يميز الرجل عن المرأة في حكم من الأحكام، بأن يكون هذا الحكم للرجال وهذا الحكم للنساء، عند ذلك يتم التفريق، وإلا فإن الأحكام التي تكون للرجال هي للنساء، والأحكام التي للنساء هي للرجال، وخطاب النبي ﷺ لواحد هو خطاب للجميع، والتفريق يكون بالنصوص الخاصة، فذكر الرجل هنا لا مفهوم له، مثل ما جاء في قوله ﷺ: [(لا تتقدموا رمضان بيوم أو يومين، إلا رجل كان يصوم صومًا فليصُمه)] فكذلك المرأة مقصودة في هذا الحديث.
وهذا الحديث فيه عرض الأعمال على رسول الله ﷺ، قيل: إنها عُرضت عليه ليلة المعراج.
ويحتمل أن يكون ذلك في المنام.
ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي وحق، وهذا الحديث ضعيف؛ لأن فيه انقطاعًا بين المطلب بن عبد الله بن حنطب وأنس بن مالك، والمطلب كثير التدليس والإرسال، وهذا من إرساله؛ لأنه لم يسمع من أنس بن مالك رضي الله عنه، وفيه -أيضًا- عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وفيه كلام.
قوله: [(فلم أر ذنبًا أعظم من سورة من القرآن أو آية أوتيها رجل ثم نسيها)].
هذا فيما إذا كان الإنسان قد أعرض عن القرآن ورغب عنه، أما إذا حصل منه ذلك نسيانًا، كأن يحصل منه كسل أو تغافل أو طول ترك من غير قصد فإنه لا حرج على الإنسان في ذلك، ولكنه يخسر خسارة كبيرة، حيث يفوته مغنم كبير؛ لأنه كان سيتمكن من قراءة القرآن عند نومه غيبًا، وفي سيره وفي جميع أحواله؛ لأنه إذا كان محفوظًا عنده فإنه يتمكن من ذلك، بخلاف ما إذا كان غير محفوظ، فإنه حينئذٍ لا بد من المصحف، والمصحف لا يتيسر له أن يقرأ به في كل أحواله، فلو كان مضجعًا أو في ظلام فإنه لا يتمكن من القراءة في المصحف، وإنما يقرأ من صدره ومن حفظه إذا كان حافظًا، فلاشك في أنه خسر خسارة عظيمة وفاته خير كثير، أما إذا كان الإنسان قد أعرض عنه عمدًا فإنه قد ارتكب خطأً كبيرًا.
ومن المعلوم أن حفظ القرآن ليس بواجب، ولكنه من الأمور المستحبة، ومن الأمور التي يحتاج إليها الإنسان؛ وذلك حتى يتمكن من القراءة في أي وقت شاء وعلى أي حال شاء.