تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرح حديث (إياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في التشديد في الكذب.

حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا وكيع أخبرنا الأعمش ح وحدثنا مسدد حدثنا عبد الله بن داود حدثنا الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا، وعليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقًا)].

أرود أبو داود رحمه الله: [بابًا في التشديد في الكذب] يعني: بيان ما فيه من وعيد، وأن خطره عظيم، والكذب ليس بالهين، وأنه عظيم عند الله عز وجل.

أورد أبو داود حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: [(إياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار)] وهذا للتحذير؛ لأن (إياكم) من ألفاظ التحذير، كما أن (عليكم) من ألفاظ الحث والترغيب، كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه: (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) وهذا ترغيب في السنن، وتحذير من البدع بقوله: (وإياكم ومحدثات الأمور).

والكذب هو الإخبار بشيء على خلاف الواقع، ولا يكون إلا في أمر قد مضى كأن يقول: حصل كذا وكذا أو وقع كذا وكذا؛ ولهذا كانت اليمين الكاذبة لا كفارة لها، بل هي اليمين الغموس التي تغمس صاحبها في الإثم، لأن الإنسان حلف كاذبًا على أمر أخبر بأنه حصل وهو لم يحصل، أما اليمين التي تكفر كأن يحلف على أمر مستقبل أنه سيفعله، ثم يريد ألا يفعل، أو أنه لا يريد أن يفعله ثم يريد أن يفعله، فهذه تكفر؛ وذلك لقوله ﷺ: (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير).

إذًا: من حلف على أمر قد مضى وهو كاذب، فهذه تسمى اليمين الغموس وليس لها كفارة إلا التوبة، فلا تكفر بإطعام عشرة مساكين كما تكفر اليمين المعقودة على أمر مستقبل، بل الواجب فيها التوبة إلى الله عز وجل، وترك الكذب والابتعاد عن الكذب.

قوله: [(فإن الكذب يهدي إلى الفجور)] والفجور هو الانحراف والميل عن الحق والهدى.

والفجور يوصل إلى النار ويؤدي إليها، ومن الأسباب الموصلة إلى النار.

والكذب هو من جملة الفجور، والفجور واسع؛ ولهذا قال الله عز وجل: (إِنَّ الأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ [الانفطار:١٣ - ١٤] الفجار يكون عندهم كذب وعندهم أمور أخرى من أنواع الفجور.

قوله: [(ولا يزال الرجل يكذب)] يعني: في حديثه.

قوله: [(ويتحرى الكذب)] يعني: يحاول أن يكذب ويتعمد الكذب.

قوله: [(حتى يكتب عند الله كذابًا)] يكون هذا ديدنه وهذه عادته، وهذا منهجه وهذه طريقته كأنه لا يعرف إلا الكذب، فيكتب عند الله كذابًا، وهذه صيغة مبالغة في هذا الوصف.

قوله: [(عليكم بالصدق)].

وهذا هو الترغيب؛ لأن (إياكم) ترهيب، و(عليكم) ترغيب، والصدق هو ضد الكذب.

قوله: [(فإن الصدق يهدي إلى البر)] البر هو كل خير، قال الله عز وجل: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ﴾ [البقرة:١٧٧] كل هذا يدخل تحت البر.

والبر والتقوى لفظان عامان إذا أفرد أحدهما عن الآخر شمل كل ما هو مأمور ومطلوب فعله فيؤتى، وكل ما هو منهي عنه فيحذر ويجتنب، وإذا اجتمعا فسر البر بما يتعلق بفعل المأمورات، والتقوى بما يتعلق بترك المحظورات، مثل: الفقير والمسكين، والإيمان والإسلام إذا جمع بينهما في الذكر فرق بينهما في المعنى، وإذا انفرد أحدهما عن الآخر اتسع لأن يشمل المعاني التي وزعت عند الاجتماع.

قوله: [(ولا يزال الرجل يصدق)] يعني: يكون صادقًا في حديثه، ويتحرى الصدق فيما يحدث به؛ حذرًا من الكذب.

قوله: [(حتى يكتب عند الله صديقًا)] يعني: أنه متمكن في الصدق، ومبالغ في الصدق، مثل ما صار الأول كذابًا مبالغة في الكذب، وهذا صار صديقًا مبالغة في الصدق.

شرح سنن أبي داود للعباد · الجزء ٥٦٧ · الصفحة ١٩

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح سنن أبي داود للعبادج ٥٦٧ · ص ١٩