عناية المحدثين ودقتهم في ضبط الرواية
قوله: [لم يقل مسدد: مولى عبد الله بن عمرو].
يعني: أن الذي قال: مولى عبد الله بن عمرو هو أبو بكر بن أبي شيبة، فهو الذي انفرد بقوله: مولى عبد الله بن عمرو، وأما مسدد فقال: أبو قابوس، فقط ولم يزد عليها.
ثم أيضًا هناك فرق آخر بين مسدد وبين أبي بكر، وهو أن مسددًا في روايته عندما أوصل الحديث إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام قال: قال رسول الله ﷺ، وأما اللفظ الذي ساقه المصنف فهو على رواية أبي بكر بن أبي شيبة، حيث قال فيه: يبلغ به النبي ﷺ، ولعل مثل هذه العبارة يأتي بها الراوي إذا لم يتحقق الصيغة التي قالها الصحابي، هل قال: سمعت، أو قال: قال رسول الله، أو قال: عن رسول الله ﷺ؟ فإذا شك فإنه يعبر بهذه العبارة ويقول: يبلغ به النبي، ومعنى ذلك: أنه مرفوع إلى رسول الله ﷺ، فـ أبو بكر بن أبي شيبة جاء من طريقه أن أحد الرواة لم يجزم بالصيغة التي قالها بل أتى بقوله: يبلغ به النبي ﷺ، وأما مسدد فإنه أتى بصيغة واضحة، وهي أنه قال: قال رسول الله ﷺ.
وهذا يدلنا على دقة المحدثين وعنايتهم بالألفاظ والصيغ، ومن ذلك أنهم يميزون بين من يقول: قال رسول الله ﷺ، وبين من يقول: يبلغ به النبي ﷺ.
أو يقال عنه: يبلغ به النبي ﷺ، بل أدق من هذا وأكثر احتياطًا أنهم يفرقون بين: قال رسول الله ﷺ، وبين: قال النبي ﷺ، فيقولون: فلان قال: قال النبي، وفلان قال: قال رسول الله ﷺ، وهذا من كمال العناية، وإلا فإنه من ناحية إطلاق النبي والرسول المعنى واحد، فقول: قال النبي ﷺ، أو قال الرسول ﷺ كل ذلك واحد، ولا فرق من حيث الإطلاق، ولكن هذا للدقة، فإنهم أحيانًا يميزون ويقولون: قال فلان: قال النبي ﷺ، وقال فلان: قال رسول الله ﷺ.
وهذا الحديث مسلسل بالأولية، حيث إن كل واحد من رواته كان يقول: حدثني فلان وهو أول ما حدثني، حدثني فلان وهو أول حديث سمعته منه.