تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرح حديث ابن عباس في سبب نزول آيات الحرابة

قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا أحمد بن محمد بن ثابت حدثنا علي بن حسين عن أبيه عن يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ﴾ [المائدة:٣٣] إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة:٣٤] نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه].

أورد أبو داود حديث ابن عباس أن هذه الآية نزلت في المشركين، وهي في المشركين وكذلك تشمل المسلمين الذين يحصل منهم قطع الطريق، وإيذاء الناس، والاعتداء عليهم في أموالهم علنًا، ولكن الذي يبين ويوضح أنها في المشركين، قوله في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة:٣٣] ومعلوم أن الحدود إذا أقيمت على المسلمين فهي كفارات، وأما بالنسبة للمشركين فإنهم إذا تابوا يتوب الله عليهم وكل شيء يغفره الله عز وجل قال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال:٣٨]، وهم الذين لهم الخزي في الدنيا ولهم العذاب العظيم في الآخرة إذا أقيم عليهم ذلك الحد؛ لأن الحدود لا تكفر عن المشركين شيئًا؛ لأنه ما دام الشرك موجودًا فلا بد من دخول النار، ولا بد من الخلود فيها، ولكن المسلم هو الذي تكفر الحدود ذنبه، ولا يؤاخذ عليه في الآخرة، وأما الكفار فيؤاخذون في الدنيا والآخرة ما دام أنهم باقون على الشرك؛ لأنهم حصلوا عقابًا في الدنيا وهذا خزي، ولهم في الآخرة عذاب عظيم، أما المسلمون فلهم خزي في الدنيا، ولكن هذا الحد الذي أقيم عليهم هو كفارة لهم، ولا يؤاخذون عليه في الآخرة؛ لأنه جاء في حديث عبادة بن الصامت: (أن الحدود كفارات) وهذا إنما هو في حق المسلمين.

فإذًا: هذا الذي جاء عن ابن عباس يوضح معنى قوله: «وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ»، وفي حق المسلمين إذا لم يحصل توبة، وحصل إصرار على ذلك الشيء فإن أمره إلى الله عز وجل في الآخرة إذا لم يتب، وأما الكافر فإنه لا بد من عقوبة له في الآخرة، ولا بد من خلوده في النار، وأنه لا يمكن أن يخرج منها في حال من الأحوال.

فإذًا: هذا الأثر عن ابن عباس يبين معنى قوله: «وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ»؛ لأن هذا إنما يكون واضحًا في حق المشركين.

قوله: [نزلت هذه الآية في المشركين، فمن تاب منهم قبل أن يقدر عليه لم يمنعه ذلك أن يقام فيه الحد الذي أصابه].

يعني: إذا كان يتعلق بحقوق الناس، لأن الإسلام يهدم ما كان قبله فيما يتعلق بحقوق الله عز وجل، وأما إذا كان الكافر أسلم وهو عنده حقوق للناس، وقد اعتدى عليهم وهم يطالبون بحقوقهم فإن ذلك لا يمنع من إقامة الحد عليه، ومن أخذ الحق منه وإيصاله إلى من يستحقه.

شرح سنن أبي داود للعباد · الجزء ٤٩٣ · الصفحة ١٧

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح سنن أبي داود للعبادج ٤٩٣ · ص ١٧