علو الله على عرشه
السؤال
هل تصح هذه العبارة في معرض الرد على من أنكر الاستواء حيث يقال: يلزم من تفسير الاستواء بأنه العلو أن يكون الله جسمًا، فيرد عليه: ليس بلازم القول: بأن استواء الله على العرش علوه عليه؟
الجواب
ليس بلازم؛ لأن الاستواء هو العلو، لكن كلمة جسم هذه من عبارات أهل الكلام المذموم، وهي من الألفاظ التي فيها إجمال، فإذا أريد بالجسم أن الله تعالى يشبه خلقه، وأنه له جسمًا كأجسام الخلق، فالله منزه عن ذلك: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ﴾ [الشورى:١١]، وإن أريد به وجود ذات مستقلة قائمة بنفسها مباينة للخلق، فالله تعالى كذلك، وإذا لم يكن كذلك فإنه يكون العدم، كما قال بعض أهل العلم عن الذين ينفون الصفات بأنهم يصفون الله بالعدم، مثلما قال ابن عبد البر في كتابه التمهيد: إن الذين ينفون الصفات يصفون المثبتة بأنهم مشبهة؛ لأنهم لا يتصورون الإثبات إلا مع تشبيه، ثم قال ابن عبد البر: وهم عند من أقر بها نافون للمعبود، أي: أن الذين يقرون بالصفات ويثبتونها لله عز وجل يعتبرون الذين ينفونها نافون للمعبود؛ لأنه لا يتصور وجود ذات مجردة من جميع الصفات.
هذا كلام ابن عبد البر في كتاب التمهيد.
والذهبي رحمه الله في كتابه العلو نقل كلام ابن عبد البر في التمهيد وعلق عليه بقوله: قلت: صدق والله، يعني: صدق ابن عبد البر في كلامه هذا، ثم ذكر عن حماد بن زيد مثلًا يوضح هذا الذي قاله ابن عبد البر بأنهم نافون للمعبود، وحماد بن زيد يأتي كثيرًا في طبقة شيوخ أصحاب الكتب الستة، ولم يدركوه جميعًا وإنما يروون عنه بواسطة.
يقول الذهبي قلت: صدق والله، فإن الجهمية مثلهم كما قال حماد بن زيد: إن جماعة قالوا: في دارنا نخلة، فقيل: لها سعف؟ قالوا: لا ما لها سعف، قالوا: لها خوص؟ قالوا: لا ما لها خوص، قالوا: ألها ساق؟ قالوا: ما لها ساق، وكل صفة من صفات النخل يسألونهم عنها يقولون: لا ما توجد في نخلتنا هذه الصفة، قيل: إذًا ما في داركم نخلة، ما دام أن جميع صفات النخل لا توجد فيها، فليس لها سعف ولا خوص ولا ساق، وكل ما توصف به النخلة منفي عنها إذًا ليس هناك نخلة، فالذي يقول: الله ليس بسميع ولا بصير ولا ولا إلى آخره، النتيجة أنه لا وجود له، وهذا معنى كلام ابن عبد البر رحمة الله عليه: أنهم عند من يثبت الصفات نافون للمعبود، ولهذا يقول أيضًا بعض أهل العلم: إن المعطل يعبد عدمًا، يعني: لا وجود لمعبوده، والمشبه يعبد صنمًا.