شرح حديث: (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في الكفن.
حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا عبد الرزاق أخبرنا ابن جريج عن أبي الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يحدث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه خطب يومًا فذكر رجلًا من أصحابه قبض فكفن في كفن غير طائل، وقُبر ليلًا، فزجَر النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يقبر الرجل بالليل حتى يُصلى عليه، إلا أن يضطر إنسان إلى ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كفن أحدكم أخاه فليُحسن كفنه).
قوله: [باب في الكفن]، أي: كفن الميت، فإن الميت يكفن بأثواب نظيفة، ولا يكون فيه مغالاة ولا تقصير، وإنما يتوسط فيه ويعتدل، ويكون ذلك وفقًا لما هو مشروع، ففي حال اليسار والإمكان يكون الكفن ثلاث لفائف بيض يلف بها، وإذا لم يتيسر إلا واحدة فإنه يكتفى بواحدة، وإذا لم يمكن إلا أقل من واحدة فإنها تجعل على مقدم رأسه، وما سوى ذلك يجعل عليه ورق من الشجر ونحوه؛ حتى يواري جسده إذا وضع في لحده، والمقصود هو الاعتدال والتوسط.
وأورد أبو داود حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: (أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ توفي وكفن بكفن غير طائل) أي: غير كاف (ودفن ليلًا، فزجر النبي ﷺ عن ذلك إلا أن يضطر إليه)، أي: الدفن ليلًا، وقال: (إذا كفن أحدكم أخاه فليُحسن كفنه)؛ لأنهم كفنوه بكفن غير طائل، فأرشد هنا إلى إحسان الكفن، فلا يكون فيه إسراف ومغالاة، ولا تقصير وتقتير، وإنما يكون على الوجه الذي فيه كفاية، وذلك من غير إفراط أو تفريط، ومن غير غلوٍ أو تقصير، والرسول ﷺ خطب وأعلمهم بأن هذا الذي قد حصل ما كان ينبغي أن يحصل.
والدفن في الليل يترتب عليه شيئان، أولًا: أن الكفن قد يكون غير كاف، والأمر الثاني: أنه يفوت وجود جماعة كثيرة حتى تصلي على الميت، فالدفن في النهار هو الأولى، وهو الذي ينبغي، إلا إذا دعت الحاجة إلى الدفن ليلًا فلا بأس بذلك، لاسيما إذا كان العدد سيصلّون عليه مثل الذين سيصلون عليه في النهار، وذلك كأن يصلي الناس صلاة العشاء ثم يصلون عليه ويدفنونه، فإن العدد الذي يمكن أن يصلي عليه في النهار يمكن أن يصلي عليه مثله في الليل، وأما إذا كان الدفن بعد منتصف الليل مثلًا، فإنه قد يصلي عليه عدد قليل، وقد يكون الكفن غير كافٍ؛ لأن الناس نائمون، فليس هناك مجال للذهاب إلى السوق والإتيان بكفن كاف، فهذه من الأمور التي تحصل في الدفن ليلًا، ثم قال عليه الصلاة والسلام: (إذا كفن أحدكم أخاه فليُحسن كفنه) أي: يكون الكفن نظيفًا أبيض كما جاء في بعض الروايات، وأن يكون كافيًا.