شرح حديث: (كنا نبايع النبي على السمع والطاعة ويلقننا فيما استطعت)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ما جاء في البيعة.
حدثنا حفص بن عمر حدثنا شعبة عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: (كنا نبايع النبي صلى الله عليه وآله وسلم على السمع والطاعة ويلقننا: فيما استطعت)].
أورد أبو داود بابًا في البيعة، أي: البيعة للوالي والسلطان، وأنه يبايع على السمع والطاعة، ومعلوم أن السمع والطاعة في المعروف لغير الرسول ﷺ، وأما الرسول ﷺ فلا يحصل منه إلا ما هو معروف؛ لأنه معصوم عليه الصلاة والسلام، وأما غيره فليس بمعصوم؛ ولهذا جاء في القرآن الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٥٩]، فإنه أعاد الفعل أطيعوا مع الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يعده مع ولاة الأمور، ما قال: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر منكم، وإنما قال: «أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ»، فأعاد الفعل مع الرسول عليه الصلاة والسلام ولم يعده مع ولاة الأمور؛ لأن أمر الرسول ﷺ هو أمر من الله، وهو مبلغ عن الله، وهو معصوم، لا يأمر إلا بما هو حق، أما ولاة الأمور فليسوا بمعصومين، فقد يأمرون بمنكر، وينهون عن معروف، ولهذا كانت الطاعة في حقهم في حدود طاعة الله ورسوله، وطاعتهم ليست مطلقة كطاعة الله ورسوله عليه الصلاة والسلام، وإنما هي مقيدة فيما هو طاعة لله ولرسوله، ولهذا قال النبي ﷺ: (إنما الطاعة في المعروف)، وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الله).
كان الصحابة يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، وكان يلقنهم أن يقولوا: (فيما استطعت) يعني: أبايعك على السمع والطاعة، فيقول: (فيما استطعت) يعني: قل: فيما استطعت، وهذا من كمال نصحه وشفقته على أمته عليه الصلاة والسلام.
وفيه أن الإنسان لا يبايع مبايعة مطلقة، فقد يحصل شيء يعجز عنه، ولكنه إذا قيد ذلك بقوله: فيما استطعت فيكون بذلك أتى بالشيء الذي يسلم به، وتكون بيعته في حدود طاقته، وفي حدود ما يستطيع؛ ولهذا جاء عن النبي ﷺ قوله: (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)، وقد قال الله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة:٢٨٦].
أورد أبو داود حديث ابن عمر: (أنهم كانوا يبايعون النبي ﷺ على السمع والطاعة، فكان النبي ﷺ يلقنهم: فيما استطعت) يعني يقول لكل واحد منهم: قل: فيما استطعت، فعندما يقول: أبايعك على السمع والطاعة، فالنبي ﷺ يلقنه كلمة: (فيما استطعت)، حتى يضيفها إلى قوله: أبايعك على السمع والطاعة، وأما غير الرسول ﷺ فيبايع على السمع والطاعة بالمعروف، يعني: فيما هو طاعة لله وطاعة لرسوله ﷺ، وإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.