شرح حديث: (إنما الوضوء على من نام مضطجعًا)
قال المصنف رحمه الله تعالى: [حدثنا يحيى بن معين وهناد بن السري وعثمان بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، وهذا لفظ حديث يحيى عن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، قال فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعًا) زاد عثمان وهناد (فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله).
قال أبو داود: قوله: (الوضوء على من نام مضطجعًا) هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة وروى أوله جماعة عن ابن عباس ولم يذكروا شيئًا من هذا، وقال: كان النبي ﷺ محفوظًا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي ﷺ: (تنام عيناي ولا ينام قلبي).
وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متى، وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث (القضاة ثلاثة)، وحديث ابن عباس: (حدثني رجال مرضيون منهم عمر وأرضاهم عندي عمر).
قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لـ أحمد بن حنبل فانتهرني استعظامًا له وقال: ما لـ يزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث].
أورد أبو داود رحمه الله حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما: (أن النبي ﷺ كان يسجد وينام وينفخ) يعني: ينفخ في نومه.
وقوله: [(ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ)].
أي: أنه كان يقوم ويصلي ولا يتوضأ، ولما قال له ابن عباس في ذلك، قال: (إنما الوضوء على من نام مضطجعًا) يعني: وذكر بعد ذلك أن الرسول ﷺ محفوظ يعني: أنه تنام عينه ولا ينام قلبه، ولا يحصل له ما يحصل لغيره.
ثم ذكر أن الإشكال فيما يتعلق بقوله: (إنما الوضوء على من نام مضطجعًا)، وقصره عليه، وأن هذا يكون للأمة، وأنه لا ينقض الوضوء إلا إذا كان مضطجعًا، ولكن هذا الحديث منكر، كما قال أبو داود رحمه الله؛ لأن النوم المستغرق سواء كان مضطجعًا أو غير مضطجع ناقض للوضوء، وأما رسول الله ﷺ إذا جاء عنه شيء من هذا ولم يحصل منه أنه توضأ، فإنه لم ينتقض وضوءه عليه الصلاة والسلام؛ لأنه محفوظ من أن يحصل منه ذلك، ولأنه قد قال: (تنام عيناي ولا ينام قلبي)، وهذا من خصائصه التي يتميز بها صلوات الله وسلامه وبركاته عليه عن الأمة.
فما جاء متعلقًا بالرسول ﷺ يكون من خصائصه، يعني: من كونه يحصل منه النوم، ثم يقوم ويصلي؛ لأن عينه تنام ولا ينام قلبه صلوات الله وسلامه وبركاته عليه.
وأما قوله: (إنما الوضوء على من نام مضطجعًا)، فهذا منكر، ولا يصح وقد جاء من طريق قتادة عن أبي العالية، وقال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، يعني: وهذا الحديث ليس منها، فـ قتادة مدلس، ولم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث، وليس هذا منها، إذًا: فيكون ضعيفًا.
قوله: [عن ابن عباس رضي الله عنهما: (أن رسول الله ﷺ كان يسجد وينام وينفخ، ثم يقوم فيصلي ولا يتوضأ، قال فقلت له: صليت ولم تتوضأ وقد نمت؟ فقال: إنما الوضوء على من نام مضطجعًا) زاد عثمان وهناد: (فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)].
يعني: وكان ذلك أدعى لحصول الحدث منه.
[قال أبو داود: قوله: (والوضوء على من نام مضطجعًا) هو حديث منكر لم يروه إلا يزيد أبو خالد الدالاني عن قتادة].
قوله: [وروى أوله جماعة عن ابن عباس رضي الله عنهما ولم يذكروا شيئًا من هذا].
أي: لم يذكروا أن الوضوء على من نام مضطجعًا.
يعني: أنه أراد أن يميز بين ما جاء في أوله، وما جاء في آخره، يعني: ما جاء في أوله يتعلق بالرسول ﷺ وله طرق أخرى، وما جاء في آخره إنما جاء من طريق أبي خالد الدالاني عن قتادة، وقتادة يرويه عن طريق أبي العالية، والأحاديث التي سمعها قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث وليس هذا منها، إذًا: فهو ضعيف لا يحتج به.
قوله: [وكان النبي ﷺ محفوظًا.
وقالت عائشة رضي الله عنها: قال النبي ﷺ: (تنام عيناي ولا ينام قلبي)].
يعني: أن هذا كله يتعلق بأول الحديث، وهو الذي جاء له شواهد وطرق، وأما ما جاء في آخره فهو المنكر، وهو الذي فيه تشريع للأمة، وهو يخالف ما جاء من الأحاديث الأخرى المتعلقة بالنوم، وأنه يكون فيه نقض الوضوء، لأنه مظنة الحدث.
قوله: [وقال شعبة: إنما سمع قتادة من أبي العالية أربعة أحاديث: حديث يونس بن متى وحديث ابن عمر في الصلاة، وحديث: (القضاة ثلاثة) وحديث ابن عباس رضي الله عنهما: (حدثني رجال مرضيون منهم عمر وأرضاهم عندي عمر)].
يعني: أن شعبة أشار إلى الأحاديث التي سمعها قتادة من أبي العالية، وليس هذا منها، إذًا: فهو حديث معلول وضعيف؛ لأن قتادة مدلس ولم يسمع من أبي العالية إلا أربعة أحاديث وليس هذا الحديث من تلك الأحاديث الأربعة التي ذكرها شعبة.
[قال أبو داود: وذكرت حديث يزيد الدالاني لـ أحمد بن حنبل فانتهرني استعظامًا له وقال ما لـ يزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ بالحديث].
ثم قال أبو داود: إنه ذكر ذلك للإمام أحمد بن حنبل فانتهرني استعظامًا لما جاء فيه من كون الوضوء على من نام مضطجعًا، يعني: انتهره في أن يشتغل بمثل ذلك، وأن يلتفت إلى مثل ذلك، وقال: ما لـ يزيد الدالاني يدخل على أصحاب قتادة؟ ولم يعبأ به، يعني: أنه يأتي بشيء انفرد به عن أصحاب قتادة، وأيضًا هذا الحديث لم يكن من الأحاديث التي سمعها قتادة من أبي العالية، يعني: ففيه عدة علل: مخالفة أبي خالد لأصحاب قتادة، وكون قتادة سمع أربعة أحاديث من أبي العالية، وهذا الحديث مما يرويه قتادة عن أبي العالية، وهو ليس بواحد من تلك الأحاديث التي تعتبر أنها من مسموعاته، والتي لا تدليس فيها.