تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرح حديث (يا رسول الله أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟)

قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب في اللعان.

حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي عن مالك عن ابن شهاب أن سهل بن سعد الساعدي أخبره أن عويمر بن أشقر العجلاني جاء إلى عاصم بن عدي فقال له: (يا عاصم! أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ سل لي يا عاصم! رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن ذلك، فسأل عاصم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسائل وعابها حتى كبر على عاصم ما سمع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما رجع عاصم إلى أهله جاءه عويمر فقال له: يا عاصم! ماذا قال لك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فقال عاصم: لم تأتني بخير؛ قد كره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم المسألة التي سألته عنها، فقال عويمر: والله! لا أنتهي حتى أسأله عنها، فأقبل عويمر حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو وسط الناس فقال: يا رسول الله! أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآن، فاذهب فأت بها.

قال سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها عويمر ثلاثًا قبل أن يأمره النبي صلى الله عليه وآله وسلم).

قال ابن شهاب: فكانت تلك سنة المتلاعنين].

أورد الإمام أبو داود السجستاني رحمه الله تعالى: [بابًا في اللعان]، واللعان مأخوذ من اللعن، وذلك أن الذي يقذف زوجته بالزنا ولم يكن عنده شهود يشهدون على ذلك فإنه يصير إلى الملاعنة، وذلك بأن يشهد على نفسه ﴿أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النور:٦ - ٧]، ثم بعد ذلك تشهد المرأة ﴿أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ * وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور:٨ - ٩].

فسمي لعانًا لاشتماله على اللعن.

والرسول ﷺ جاء عنه عدة أحاديث في قضية اللعان، وبعد اللعان يتم التفريق بين الزوجين تفريقًا أبديًا، وتحرم عليه الزوجة أبدًا بعد التلاعن، ولا سبيل له إلى الزواج بها مرة أخرى بعد ذلك فهو من التحريم المؤبد، وهو تحريم لا محرمية فيه بخلاف غيره من التحريم المؤبد فإن فيه المحرمية، فمحرم المرأة الذي يكون محرمًا لها في السفر والذي يحق له النظر إليها والدخول عليها يقال له: محرم المرأة، وهو زوجها -أي: ما دامت زوجة له- أو من تحرم عليه على التأبيد بنسب أو سبب مباح، وأما إذا حصل طلاق فإن تلك المحرمية التي كانت بسبب الزواج تذهب وتنتهي؛ لأن الحكم أنيط بالزوجية، فإذا كانت الزوجية موجودة فإن المحرمية قائمة، وإذا انتهت هذه الزوجية فإنه يكون أجنبيًا منها.

وأما من تحرم عليه على التأبيد لنسب ككونه أبًا أو ابنًا أو أخًا أو ما إلى ذلك، أو بسبب كرضاع ومصاهرة بشرط أن يكون الرضاع والمصاهرة قد أبيحا شرعًا، فيخرج بالمباح تحريم زواج الملاعن بالملاعنة على وجه التأبيد؛ لأنها مُحرمة عليه أبدًا، ومع ذلك لا يكون محرمًا لها، وهذا هو المقصود من قول الفقهاء: بنسب أو سبب مباح؛ لأن تحريم المتلاعنين إنما هو بسبب ليس بالمباح، فقد صير إليه بسبب القذف الذي حصل.

وقد أورد أبو داود حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه في قصة عويمر العجلاني رضي الله عنه، فقد جاء إلى عاصم بن عدي رضي الله عنه وطلب منه أن يسأل النبي ﷺ عن الرجل الذي يجد مع امرأته رجلًا أيقتله فيقتل أم يسكت على أمر عظيم؟ فذهب عاصم بن عدي رضي الله عنه إلى الرسول ﷺ وسأله هذا السؤال، فكره رسول الله ﷺ هذه المسائل وعابها، أي: المسائل التي هي من هذا القبيل، وهي أن يخبر الإنسان عن زوجته بشيء مما يُستحيا منه، فكره الرسول ﷺ هذه المسائل وعابها، وهذه الكراهية إنما تكون في الشيء الذي لم يقع والناس في عافية منه، وأما إذا وقع الشيء وسئل عنه فإن ذلك لا بأس به؛ لأن السؤال سيكون حينئذ في أمر قد حصل ولا بد من معرفة الحكم فيه، وأما إذا كان السؤال في شيء فيه عنت وفيه مشقة، كقصة الرجل الذي سمع رسول الله ﷺ يقول: (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، قال: أفي كل عام يا رسول الله؟) فغضب الرسول ﷺ وقال: (ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، ولو قُلت: نعم لوجبت، ولو وجبت ما استطعتم).

فقوله: (فكره المسائل وعابها) أي: التي من هذا القبيل، إذ لا ينبغي للإنسان أن يسأل عن الأشياء التي لم تقع، ولكن الإنسان إذا ابتلي بشيء فليسأل عنه ليعرف الحكم الشرعي.

فرجع عاصم إلى بيته، فجاء عويمر وسأله عن جواب النبي ﷺ، فأخبره بأن ذلك كبر عليه وأنه أمر عظيم، وأن الرسول ﷺ كره المسائل وعابها، فحلف أن يذهب إلى الرسول ﷺ ويسأله بنفسه، فذهب إليه فقال له رسول الله ﷺ: (إن الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك قرآنًا، اذهب فأت بها، قال سهل: فتلاعنا، وأنا مع الناس)، وعندما حصل التلاعن بادر عويمر وقال: (كذبتُ عليها إن أمسكتها، فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره النبي ﷺ).

وهذا الفعل منه وليس من النبي ﷺ، والفرقة تكون بالملاعنة ولا يحتاج الأمر إلى طلاق، وإنما هذا من عويمر رضي الله عنه؛ ليبين أنه صادق فيما قال، وأنه ما كذب عليها، وأنه إن أمسكها وقد كذب عليها فهذا أمر خطير، فبادر إلى تطليقها ثلاثًا والرسول ﷺ لم يأمره بذلك، فدل هذا على أن هذا الطلاق إنما هو من عويمر، وإلا فالفراق يحصل بالملاعنة دون حاجة إلى طلاق، ففرق بينهما رسول الله ﷺ.

شرح سنن أبي داود للعباد · الجزء ٢٥٨ · الصفحة ٣

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

شرح سنن أبي داود للعبادج ٢٥٨ · ص ٣