البلاغة:
﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي﴾ بين الأرض والسماء طباق، وبين ابلغي وأقلعي جناس ناقص، وكلاهما من المحسنات البديعية.
التفسير العام:
﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ﴾ لما أغرق الله أهل الأرض كلهم إلا أصحاب السفينة أمر الأرض بقوله يا أرض ابلعي واشربي ما على وجهك من الماء الذي نبع منك ﴿وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي﴾ أي: أمسكي عن المطر ﴿وَغِيضَ الْمَاء﴾ أي: ونقص الماء ببلع ما نبع من الأرض، وبقاء ما نزل من السماء ﴿وَقُضِيَ الأَمْرُ﴾ أي: تم أمر الله بإغراق الكافرين، وإنجاء المؤمنين ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ أي: استقرت وثبتت ورست سفينة نوح عليه السلام بمن فيها على جبل الجودي بقرب الموصل في العراق ﴿وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ أي: هلاكاً وخساراً وإبعاداً عن كل خير للقوم الظالمين بارتكابهم الكفر والشرك، روي أن الغرق أصاب امرأة معها صبي لها فوضعته على صدرها، فلما بلغها الماء وضعته على منكبها، فلما بلغها الماء رفعته بيديها، فلو رحم الله أحداً من أهل الأرض لرحمها.
الأحكام والفوائد والدروس:
1 - قال ﴿مَاءكِ﴾ ولم يقل الماء في قوله ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ﴾ ليدل على أن تبلع الماء الذي فار منها وتفجر عيوناً، دون ماء السماء، وقد يكون المراد أن تبلع (تشرب) الأرض الماء المتجمع عليها من مائها الذي خرج منها دون ماء السماء، ولم يقل ابلعي الماء حتى لا تبلع كل ما عليها من ماء كالبحار والأنهار فتجف الأرض وتموت الحياة.
2 - بدأ بالأرض قبل السماء لأن الماء فار من الأرض قبل أن ينزل مطر من السماء.
3 - قدم نداء الأرض على السماء في قوله: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي﴾ لكون ابتداء الطوفان منها وهو قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ وهذا مشكل لقوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاء بِمَاء مُّنْهَمِرٍ * وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُوناً﴾ (القمر: 11 - 12) ويدفع الإشكال بأن يقال في الآية الأخيرة تقديم وتأخير، (قلت): أو أن الله جعل التنور - وجه الأرض أو الفرن - يفور بالماء أولاً، ثم فتح أبواب السماء بماء منهمر ثانياً، ثم فجر العيون التي فارت سابقاً ثالثاً، وبذلك لا يكون تقديم وتأخير في الآية.
4 - روي أن أعرابياً سمع هذه الآية: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءكِ وَيَا سَمَاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاء وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، فقال هذا كلام القادرين لا يشبه كلام المخلوقين، ويروى أن (ابن المقفع) وكان أفصح أهل زمانه رام أن يعارض القرآن فنظم كلاماً، وجعله مفصلاً، وسماه سوراً، فمرَّ يوماً بصبي فسمعه يقرأ الآية فرجع