أ- إن قوم نوح عليه السلام أمهلوا مدة طويلة (950 سنة)، وبذلك أعذروا كمال العذر، وأما قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - فالحديث السابق كان قبيل الهجرة بقليل وفرق هائل بين 950 سنة و 23 سنة.
ب- إن الله تعالى علم أن قوم نوح لن يؤمن منهم إلا من قد آمن وذلك حذر نوحاً عليه السلام من الشفاعة فيهم، وأما قوم محمد - صلى الله عليه وسلم - فقد علم الله أنهم سيسلمون يوم فتح مكة ولذلك قبل تأخير العذاب عنهم.
ج- إنه لا اجتهاد مع النص، فنوح عليه السلام لم يخير، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - خُير بقول الملك ﴿إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمْ الْأَخْشَبَيْنِ ... ﴾ (1) إلخ.
==========
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ (37).
اللغة:
﴿الْفُلْكَ﴾: السفينة، ويطلق على المفرد كقوله: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾، ويطلق على الجمع كقوله: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ﴾ (النحل: 14).
البلاغة:
1 - ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ الأعين: كناية عن الرعاية والحفظ يقال للمسافر: صحبتك عين الله، أي: رعاية الله وحفظه.
2 - ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ للتعليل، أي: لا تطلب إمهال عذاب الذين ظلموا لأن القدر مضى بإغراقهم.
التفسير العام:
﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ أي: اعمل السفينة لتركبها أنت ومن آمن معك ﴿بِأَعْيُنِنَا﴾ بمرأى منا وبحفظنا ورعايتنا وحراستنا ﴿وَوَحْيِنَا﴾ أي: وتعليمنا لك صناعتها، فقال مجاهد: أي كما نأمرك ﴿وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: لا تطلب إمهال الذين ظلموا ولا تشفع فيهم فإني مهلكهم لا محالة فقد حان وقت الانتقام منهم ﴿إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ﴾ هذه الجملة للتعليل، أي: لا تطلب إمهالهم فإنهم هالكون غرقاً بالطوفان لا محالة، وقد جرى ومضى القدر بذلك، ولا راد لقضاء الله عز وجل.
الأحكام والفوائد والدروس:
1 - إن من ينصر الله ويطيعه ويبذل في ذلك جهده مخلصاً له الدين، إن شاء الله تعالى يحفظه الله ويرعاه، ويحرسه ويوفقه ويسدده ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا﴾.
(1) صحيح البخاري 11/ 8, ح 2992.