لها شكل مخصوص مزين بالتماثيل، لا يحتاج المسلم إلى مثله قط. ولا نفتيه
باتخاذه، وإن لم يقصد التشبه بهم.
على أن هذا الشكل من عاداتهم لا من عباداتهم، والمسلمون لم يسلموا في أكثر
البلاد من التشبه بهم، فيما هو عندهم من قبيل العبادة المحضة والتقاليد الدينية
الخالصة كحمل المباخر والقماقم أمام الجنازة، والترنم بالأناشيد الدينية. ويفعل
المسلمون هذه البدع التي سرت إليهم ممن جاورهم من أهل الكتاب في مصر
وغيرها لغير حاجة إليها، ويزعمون - إن اعترض عليهم بالتشبه -: أنها لا تشبه
فيها؛ لأن أناشيد أهل الكتاب هي غير أناشيدنا، وهم يضعون في مباخرهم البخور
ونحن نضع فيها الزهور، وأنت ترى أنه يمكن أن تكون مسافة البعد عن التشبه في
العربة أوسع؛ بأن تكون العربة التي تحمل عليها أموات المسلمين من قبيل عربات
النقل، ولكنها أنظف وأكثر ارتفاعا، ويوضع التابوت عليها بالهيئة التي يحمل بها
على الأكتاف عادة، وبهذا ينتفي التشابه بالمرة، لكنه لا ينتفي في البدع المعتادة بما
ذكر آنفا؛ لأن الفرق بين أناشيدنا وأناشيدهم المتحدة في الظاهر، ليس بذي شأن،
لا سيما إذا كانوا يمدحون المسيح والحواريين، ويستعينون بهم، ويطلبون الرحمة
من الله للميت، فأكثر أناشيدنا المتبعة من هذا القبيل؛ لأنهم ينشدون قصيدة البردة
ونحوها، ومدح النبي وأصحابه من قبيل مدح المسيح وحواريه - عليهم السلام -
أجمعين.
وبهذا نعلم أن المسألة مسألة عادات وتقاليد، لا مسألة حرص على السنة، فإن
ما خالفوا فيه السنة، وأخذوا فيه بالبدعة لا حاجة إليه، وما حرصوا فيه على العادة قد
يحتاج إلى تركه لمصلحة، ونحن نتبع المصلحة في العادات، ومتبع المصلحة لا
يسمى متشبها بمن سبقه إليها، ولا مقلدا له على أن تشبهنا بغيرنا في عادة له لم يحرم
علينا، ما لم يكن فيه مفسدة وضرر فله حينئذ حكمه.
***
رهن العقار والديار على مديري الكنائس والأديار
(س4) ومنه: ما قولكم فيمن يرهن عقاره أو دياره على مديري أموال
الكنائس والأديار؛ ويوفيهم ما اصطلح معهم عليه من ربح المال شهريا؛ ويدعي أن
ذلك ليس من المعاملات الربوية. ما هو حكمه؟ هل يفسق بهذا الفعل أو هذا
الاعتقاد، أم له فيه فسحة أو مسامحة؟ وما يقال في مساهمة أو معاملة من هذا
ديدنه؟
إن أشبعتم الفصل والنقل في هذا الباب فهو من المهم في الدين؛ لتساهل أهل
هذه الجهة في الاحتياط والورع، بل تقادعهم في الحرام السحت والطغيان،
وتعاقدهم على الإثم والعدوان، وتقاعدهم عن المبرات والإحسان، فصارت معاملتهم
كلها فاسدة بما يدعونه صحيحا، وقد عم الربا هذا القطر (جاوى) من غير مبالاة،
فعسى أن يحصل لهم بما تضعونه ارتداع، ولكم ثواب الدلالة على الهدى وإيضاح
الحق.
(ج) مديرو الكنائس والأديار كغيرهم من الناس في المعاملات المالية ما
خصهم الدين بأحكام في العقود والمعاوضات، فالرهن عندهم كالرهن عند غيرهم، إن
جائزا في نفسه فجائز معهم، وإن ممنوعا فممنوع. والدين قد حرم الربا؛ لما فيه من
قساوة القلب وترك التعاطف والمواساة للمحتاج، كما بينا ذلك بالتفصيل في تفسير
آيات الربا، وبينا ما هو الربا المحرم بالنص، فيراجع في المجلد التاسع.
واعلم أنك إذا عددت كل ما يقوله المصنفون في كتب الأحكام التي يسمونها فقها
من أمور، وحكمت بفسق التارك لبعض شروطهم في هذه المعاملات الدنيوية، فإنك
تقذف بالمسلمين في مأزق من الحرج، لا قبل لهم به ولا طاقة لهم باحتماله. إن الدين
حرم الربا والغش والخيانة، وأكل أموال الناس بالباطل، والضرر والضرار،
وكل ما فيه إفساد للأخلاق وتدنيس للأرواح، وأوجب عليهم الوفاء بالعقود، وأقرهم
على عقودهم ما لم تحل حراما أو تحرم حلالا، وأباح لهم بعد ذلك أن يتعاملوا كيف
أرادوا بالتراضي بينهم كما بينا ذلك مرارا، وهم غير مكلفين بالعمل بآراء الفقهاء