تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فهؤلاء يهزؤون بمن يخالفهم في كل ما يسمونه تمدنا، وإن كان مما يشكو منه

عقلاء وفلاسفة أئمتهم الأوروبيين، فهم كما قال الشاعر:

عمي القلوب عموا عن كل فائدة ... لأنهم كفروا بالله تقليدا

وقد كثر عددهم في الترك وهم يكثرون في مصر، ولا يمكن إقناع هؤلاء

بشيء من طريق الدين، فالحلال والحرام عندهم سيان، وإنما يمكن إقناع أذكيائهم

الذين يقدرون جنسية الدين قدرها؛ بأن كذا ضار بالأمة أو نافع لها في سياستها،

ومصالحها الاجتماعية.

(الثاني) المؤمنون بأصل الدين، الراغبون في التوفيق بينه وبين المدنية

الحديثة؛ بالتساهل في بعض أحكامه والتأويل لبعض نصوصه، كما فعل أهل

الكتب الدينية من كل أمة، في كل زمان يغلب عليه روح خاص، يسري في

الكبراء والخواص، وهؤلاء هم الذين يحاولون الموازنة، بين منافع (التياترو)

ومضاره التي يعترفون بأن أهمها هتك النساء المسلمات لصيانة الحجاب،

ومخالفتهن للنصوص الصريحة في الكتاب، وهؤلاء يسهل إقناعهم بالدلائل الدينية

والعقلية جميعا.

هؤلاء هم الذين يقولون: إننا لا نرتاب في عصيان المرأة؛ بإبداء خفي زينتها

في المتمثل (ملهى التمثيل) ورقصها مع الرجال، ولا في عصيان من يغريها بذلك،

ولكن التمثيل الذي يوجد فيه العاصيات والعاصون لله عمل نافع في نفسه،

فالمعصية فيه قاصرة على أهله، ولا حرج على المؤمنين في شهوده؛ بنية الاستفادة

من الغرض والمقصد منه، دون نية الإسعاد على الوسيلة المحرمة، كما أنه لا

حرج على من يشاهد الصور والتماثيل، وإن كان صانعوها آثمين في عملهم.

ولعل هذا أقوى ما نبين به شبهتهم في شهود التمثيل، وما هو بالذي يقنع

الفقيه فيفتي بنفي الحرج؛ لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح عند التعارض.

فكيف تباح المفسدة اليقينية لأجل مصلحة وهمية؟ إن أمكن إثبات حصرها في

التمثيل، فلا سبيل إلى إثبات معارضتها لمنع المسلمات من هتك حرمة الشرع

والخروج عن أدب الدين؛ إذ يمكن أن يكون هذا التمثيل المفيد من الرجال خاصة،

وإن كان لا بد من وجود النساء، فيمكن استخدام غير المسلمات فيه كما يفعلون في

مصر، وهؤلاء النساء غير مكلفات بفروع الشريعة عند الحنفية ومن وافقهم، ولا

يحرم النظر إليهن بغير سوء، أو يمكن للنساء المسلمات فيه أن لا يبدين زينتهن إلا

ما ظهر منها، وهو الوجه والكفان، وأن لا يرقصن مع الرجال، ولا يأتين بمنكر

آخر معهم، فالحرص على إتيانهن في المتمثل بكل ما يأتي به غير المسلمات، لا

يمكن أن يكون لأجل المصلحة المزعومة، التي بنينا هذا الإلزام على التسليم بها

جدلا.

فثبت أن الغرض من ذلك تغذية الشهوة واتباع الهوى؛ تقليدا للأوروبيين في

شيء فيه إثم لكم ولهم، ومنافع لهم لا لكم؛ لأنهم جروا في هذا التمثيل على جعل

لهوهم ولعبهم الذي لا خروج فيه عن عاداتهم وآدابهم المقومة لشعوبهم، مشتملا على

بعض الفوائد والعبر، بعد الارتقاء في العلوم والآداب، وسائر مقومات الاجتماع، فإن

كنتم مقلديهم ولا بد، فاعفونا من التحريف والتأويل في الدين، فما أنتم إلا عون عليه

لأولئك المارقين.

وأما المارقون من الدين من حيث هو دين، الراضون به من حيث هو رابطة

اجتماعية كالجنس، واللغة. فيقال لهم: إن تحويل النساء عن الآداب، والعادات

الإسلامية اتباعا وتقليدا لغير المسلمين مبدأ لقطع الرابطة الإسلامية، وهدم هذه

الجنسية، فليس ضررها محصورا في عصيان بعض النساء لأمر الله، وجرأتهن

على انتهاك محارمه؛ إذ يستحيل أن لا تعصي امرأة من الأمة ربها قط، ولا شك

أن معصية بعضهن بما ذكر، لا تستلزم عصيان سائرهن به؛ إذ جعل كل امرأة

ممثلة محال، فلا خوف على الأمة من عصيان قليل من أفرادها، وإنما الخوف

عليها محصور في: الانتقال من طورإلى طور؛ بتأثير روح أجنبي غايته تحويل

المسلمين عن دينهم وجنسهم، وجذبهم إلى غيرهما بالإقناع والاستحسان، حتى

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٦