تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كانوا يقرؤونه في الأزهر من العلوم الدينية؛ ليتمموه على وجه أجلى وأنفع،

وأضاف إلى ذلك أطرافا من الفنون الصناعية كالطبيعة والكيمياء، والحساب،

والهندسة، وشيئا من الجغرافية، والتاريخ، وقدر غاية الدراسة أن يكون التلميذ

المتمم لدروسه فيها صالحا لأن يكون أستاذا في العلوم العربية والدينية في المكاتب

والمدارس الرسمية، ولكن جاءت على تلك المدرسة أدوارا كثيرة أسقطتها عن

مرتبتها التي كانت تنبغي لها، ثم لم يوضع فيها أساس للتربية التي كان يجب أن

تكون أهم شيء يقصد من الانتظام فيها، ولهذا كان يخرج تلامذتها على ما يخرج

عليه تلامذة غيرها من الأخلاق والأفكار، لا يمتازون عنهم إلا قليلا، وإن كانت مع

ذلك، أنشأت أفرادا من أهل العلم والأدب هم الآن معروفون تشهد لهم حالهم بأنهم

أفضل من جميع الناشئين في غير تلك المدرسة، ولكنهم أقل عددا مما كان ينتظر.

ثم من غريب التصرف، أن هذه المدرسة مع أنه لم يكن الغرض منها إلا

تكوين أساتذة قادرين على التربية عارفين بالعلوم الدينية والعربية حق المعرفة، لا

يقيمون عليها من النظار إلا جاهلا بالدين واللغة العربية، بل غير معتقد بالدين

بالكلية كما فعلوا سابقا، ويريدون أن يفعلوا في هذه الأيام، ولا يعينون فيها من

المعلمين للدروس الدينية إلا من يقصد تعيشهم بمرتباتهم، وفيهم من لا تجوز معاشرة

التلامذة له؛ فضلا عن أخذهم العلم عنه، وفيهم من لا يحسن أداء ما كلف به،

وليس فيهم أهل لوظيفته إلا شخصان فقط. والكل لا عناية له بأمر التربية، ولا

يهمه فساد أخلاق التلامذة أو صلاحها، ولا استقامة عقولهم وأفهامهم أو اعوجاجها،

وتعليمهم الدين على ما هو المعروف في الأزهر لا يغيرون منه فاسدا، ولا

يزيدون عليه صالحا، وسائر المعلمين للفنون يؤدونها نقلا من الكتب، لا يبينون

للتلامذة الغاية من تعلمها.

وليس العيب في ذلك راجعا إليهم، ولكن إلى من لم يضع أصلا لسيرهم في

تعليمهم، ولم يؤسس قاعدة ترجع إليها جميع الأعمال صادرة من المعلمين أو

المتعلمين، ولم يقم على تلك القاعدة خبيرا بالبناء عليها، عارفا بالغاية التي توجه

المدرسة إليها، حكيما في تصرفه بأذهان التلامذة والأساتذة، حتى يقيم للتربية بناء

معنويا حقيقيا، يأوي إليه كل معلم ومتعلم، يأتي من بعده.

هذه المدرسة تصلح أن تكون ينبوعا للتهذيب النفسي والفكري والديني

والخلقي، ويمكن أن ينتهي أمرها إلى أن تحل محل الأزهر، وعند ذلك يتم توحيد

التربية في مصر ولكن يلزم لذلك أمور:

(الأول) إصلاح البروجرام، وحذف بعض العلوم التي اشتغل بها التلامذة

في الأزهر، والاكتفاء بتمرينهم على العمل بها، وتقدير ما يلزم من الفنون الباقية،

وزيادة بعض علوم ليست فيها الآن منها علوم الآداب الدينية، وفن أصول النظام مع

تعلقه بالدين.

(الثاني) تغيير طريقة تدريس تفسير القرآن، وتعلم الأحاديث النبوية.

(الثالث) اختيار معلمين صالحين للقيام بالعمل الموصل إلى الغاية المطلوبة

للمدرسة.

(الرابع) تعيين ناظر للمدرسة قد ملأ قلبه، وغمر فكره الميل إلى المقصد

الذي وضعت له المدرسة عالما بالدين ولغته موثوقا به عند العامة.

(الخامس) إعطاء تلامذتها بعد نهاية التعلم حق التدريس في الأزهر.

(السادس) توسيعها إلى ما يسع مائة تلميذ.

(السابع) أن يزاد في مدتها سنة بعد الدراسة للتمرين على التعليم في نفس

المدرسة.

(الثامن) وهو أهم ما يجب - أن يكونوا تحت نظام شديد في التهذيب،

وملازمة العمل بما يعلمون.

(التاسع) أن تكون وظائف التدريس في المدارس والمكاتب منحصرة فيهم.

(العاشر) أن تكون درجتهم في الوظائف على حسب أدبهم واقتدارهم على

التأديب.

(الحادي عشر) أن يكون للموظف منها في مدرسة ما سلطة تامة على تهذيب

التلامذة، وتربية نفوسهم، وتقويم أخلاقهم وطباعهم، وأرقاهم وظيفة في تلك

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١٣