تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

على تعليمه القرآن في تلك الكتاتيب، حتى إذا خرج التلميذ من الكتاب كان

شاعرا بأنه في أي جمعية محكومة بأي طريقة فإذا دخل المدرسة أو الأزهر كان

نماء معلوماته على ذلك الأساس، وذلك يستدعي تقرير بعض الكتب الصغيرة،

وتعيين ما يدرج فيها على نمط سهل؛ يفهمه الصغير والكبير بأن تبين لهم فيه

نسبتهم إلى: المأمور، والمدير، والناظر، والمهندس، والطبيب، والعالم، وإلى

المقام الخديوي، وغير ذلك.

وتحدد الطريقة التي يتعلم بها الفقهاء هذه الأمور القريبة من الأذهان، والمكان

الذي يتعلمون فيه، والوقت الذي يخصص لذلك، والمعلم الذي يعلمه، ثم تقرير

العلاقة بين أولئك الفقهاء، وبين إدارة الأوقاف، ونظارة المعارف.

المكاتب الرسمية الابتدائية

تلامذة هذه المكاتب لا يزالون إلى الآن من الأطفال الذين يقصد كفلاؤهم

بتعليمهم التوصل بهم إلى خدمة الحكومة، سواء نالوا ما قصدوا أم لا، إلا أنهم

في الغالب لا يستطيعون أن يذهبوا إلى نهاية التعليم المعد لذلك، فيرجع الوالد إلى

أبيه أو من يقوم مقامه بعد نهاية المكتب عارفا ببعض مبادئ العلوم التي لا يجد لها

موضعا تستعمل فيه، فلا يلبث أن ينساها، فيضيع الزمن الذي شغله بالتحصيل بلا

فائدة، ثم إنه يعود بأخلاق أشد فسادا من أخلاق الذين بقوا على الفطرة، لم يمسهم

التعليم، ويجد في نفسه نفرة وعجزا عن العمل فيما كان يعمل والده وأهله من قبله،

فيقضي عمره في البطالة أو ما يقرب منها، فتزداد أخلاقه فسادا، وأفكاره اختلالا،

ويقف نفسه على عبادة الأوهام، وخدمة الدسائس التي تنبهه على طلب ما يغير الحالة

التي عليها الناس؛ طمعا في تغيير حالة نفسه بلا تعقل، فيكون زيادة في أمراض

البلاد، بدل أن يكون عضوا نافعا.

فأول ما يجب لإصلاح هذه المكاتب ووضعها على أساس يفيد العامة: أن

يراعى في البروجرام إدخال مبادئ العلوم من وجهها العملي الذي ينطبق على

المعاملات الجارية في البلاد، فقواعد الحساب مثلا تؤخذ من وجهها العملي مطبقة

على المعروف في المعاملات التجارية، وحساب الصيارفة الأميريين، وغيرهم،

فيتعلمون طريقة وضع المدفوع من الأموال في الأوراق والدفاتر، وطرق التحصيل

لأموال الحكومة، ونحو ذلك، ويدخل فيها فن الأوزان والمكاييل، وإن كانت مبادئ

هندسية، فليدخل فيها شيء من المساحة على الطريقة المعروفة في البلاد، أو على

أفضل منها. وما يؤخذ من قواعد العربية، يكون مصحوبا بالعمل في المكاتبات

العادية، والمشارطات المتداولة بين الأهالي، حتى إذا انفصل التلميذ من المكتب،

يكون عنده ما يحتاج إليه شخصه أو عائلته وأقاربه وأهل بلده، فلا ينقطع عن

العمل به؛ لكثرة ما يرد عليه منه.

ثم يضم إلى ذلك تعويده على بعض الأعمال الزراعية أو الصناعية في

أوقات الرياضة، أو يخصص لذلك يوم في الأسبوع؛ ليعلم كفلاء التلامذة أن للتعليم

غاية سوى خدمة الحكومة، وأنهم إذا لم ينالوا الخدمة، فإن لهم شأنا سوى البطالة،

والتفرغ للأوهام الرديئة، ثم يضاف إلى البروجرام مبادئ العقائد الدينية على

الأصل الصالح وأصول الآداب الدينية على ما يجمع الألفة، ويعرف وجه المصلحة

في المعاملة والمخالطة، وشيء من تاريخ البلاد، وما كانت تعانيه في

سابق زمنها، وما صارت إليه من الراحة في هذه الأوقات، وشيء من القواعد

العامة للنظام الذي هم فيه؛ ليعلم التلميذ أنه من أي جنس، وفي أي شكل من أشكال

الحكومة، فيتعلم الخضوع والانقياد لكل مسند فيما يصدر منه، ثم يكون أهم العناية

بحمل التلامذة على العمل بما يعلمونه من الآداب، وتشديد المراقبة عليهم في ذلك،

وتوضع لهذا لائحة مخصوصة؛ يحدد فيها البروغرام اللازم للمكاتب الابتدائية

وطريق التعليم، ويبين فيها المسلك الذي يتخذه المربي المفوض إليه مراقبة أخلاق

التلامذة، وملاحظة أعمالهم، فإذا أتم التلميذ مدة المكتب الابتدائي، ولم يتيسر له أن

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا) · الجزء ١٠ · الصفحة ١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة المنار (كاملة 35 مجلدا)ج ١٠ · ص ١١