كلما نضجت جلودهم بدلنهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب
[النساء: 56]. تعلمنا من هذه الآية أن الجلد هو موضع الإحساس، فلو حرق لا يحدث الإحساس لذلك الحق سبحانه يجدد لهم جلودهم ليذوقوا العذاب وليستمر الإيلام، والعالم لا يعرف هذه المسألة إلا بعد الحرب العالمية، فقد توصل الألمان إلى أن الجلد هو آلة الإحساس في الجسم، بدليل أنك حين تأخذ مثلا حقنة لا تؤلمك إلا بمقدار نفاذ الإبرة من طبقة الجلد بعدها لا تشعر بالألم، فالقرآن سبق العالم كله إلى هذه الآية. ومن آيات الله في الأنفس أنك تجد بداخل الجسم صيدلية طبيعية تعالج ما يحدث في الجسم من خلل، هذه الصيدلية أخذناها من قوله تعالى:
من مضغة مخلقة وغير مخلقة
[الحج: 5] فالمخلقة: هي التي تكون منها الجسم بأعضائه وجوارحه المشاهدة، وغير المخلقة الموجودة داخل الجسم كاحتياط له تكمل ما نقص منه وتعالج ما مرض فيه، لذلك رأينا أحدث علاج للجروح والدمامل مثلا أن تتركها لمقاومة الجسم الطبيعية حيث تلتئم دون تدخل بمواد كيماوية تضر وتترك أثرا في الجلد. تأمل أي عضو من أعضائك، وأي جهاز من أجهزة جسمك، تأمل كيفية بناء هذا الإنسان على هذه الهيئة المعتدلة المستقيمة، وكيف يسير معتدلا مرتفع الهامة، تأمل كف يدك وما فيه من أصابع وما فيه من تناسق وتناسب وانسيابية. انظر إلى جهازك الهضمي أو التنفسي، انظر إلى قلب هذه العضلة لتي لا تزيد عن قبضة اليد الواحدة، كيف أنها تعمل دون توقف منذ الميلاد وحتى الوفاة، كلها آيات وعجائب وأسرار دالة على قدرة الخالق وبديع صنعته سبحانه في الأنفس. ويظل عطاء هذه الكلمة ﴿ سنريهم ﴾ ممتدا في الزمان كله وكل يوم نشاهد جديدا وآية وعجيبة من عجائب الخلق في الآفاق وفي الأنفس، ولما تستقرئ القرآن تجده قد استوعب في هذه المسألة الماضي والحاضر والمستقبل، فقال:
أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها..
[الرعد: 41] وقال في المستقبل ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ [فصلت: 53]. باقي في الاستقبال سوف وهي للمستقبل البعيد، قالوا: هي لأمور الآخرة كما في قوله تعالى:
فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم
[هود: 39]. وفرق بين استقبال الفعل من الله تعالى واستقباله من البشر، نحن نقول: ماضي ومضارع ومستقبل. أما بالنسبة للحق سبحانه فيستوي عنده الزمن كله، اقرأ قوله تعالى:
أتى أمر الله فلا تستعجلوه
[النحل: 1] والمراد هنا القيامة. لذلك وقف المستشرقون عند هذه الآية يتهمون القرآن بالتناقض ﴿ أتى ﴾ تدل على الماضي و ﴿ فلا تستعجلوه ﴾ تدل على المستقبل، لكن يجب أن نعلم أن المتكلم هنا هو الله عز وجل الذي يملك الزمن كله، فحين يقول أتى يقولها برصيد قدرته ووحدانيته، حيث لا يوجد له معارض يمنع حدوث الفعل، فالقيامة لأنها حق واقع لا محالة عبر عنه بالماضي كأنه أتى بالفعل. قوله تعالى: ﴿ سنريهم ﴾ دلت على أن هذه الآيات موزعة على الزمن، بحيث يجد كل جيل في القرآن عطاء جديدا، فنحن الآن نعرف من آيات الله في الكون وفي الأنفس ما لم يكن يعرفها أحد على زمن رسول الله مع أنها موجودة وأخبر الله بها في القرآن. سألت مرة بعض إخواننا المختصين بالنواحي الاقتصادية في العالم قلت لهم: متى عرف الإنسان الأسانسير؟ قالوا: سنة كذا يعني في القرن العشرين، قلت: فاقرأوا قوله تعالى:
ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون
[الزخرف: 33] والمعارج أي: ما نعرفه الآن ب الأسانسير. كذلك البواخر والسفن العملاقة المكونة من طوابق، والتي تظهر في البحار وكأنها مدينة متحركة لم تكن بهذه الصورة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أخبر الله بها في سورة الرحمن: