وله الجوار المنشئات في البحر كالأعلام
[الرحمن: 24] إذن: الحق سبحانه خلق وعلم ما سيحدث لخلقه في المستقبل. فإن قلت: فلماذا لم تظهر هذه الآيات في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وفي زمن صحابته؟ قالوا: لو ظهرت هذه الآيات الكونية معاصرة لزمن النبي وصحابته لأفرغ القرآن معجزاته وآياته في قرن واحد، واستقبلت القرون التالية القرآن بدون عطاء جديد، وبدون آيات تبهرهم وتدلهم على قدرة الخالق سبحانه. فالله تعالى أراد أن يظل استقبال الأجيال للقرآن استقبالا جديدا، بحيث يكون لكل جيل نصيب من عطاء القرآن ليثبت لنا أن الذي أنزل القرآن قديما أخبر فيه بما يحدث في المستقبل، وأنه سبحانه إله واحد ليس معه شريك يرد عليه ما قال. وقوله تعالى: ﴿ حتى يتبين لهم أنه الحق ﴾ [فصلت: 53] أي: يتضح لهم أن القرآن حق وأن الله حق، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، وضده الباطل، والباطل متغير زاهق، الحق أبلج، والباطل لجلج. الله تعالى يصور لنا الحق والباطل في مثال مادي مشاهد، فيقول سبحانه:
أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض
[الرعد: 17]. فالله تعالى هو الحق، ما يقوله حق، ومن الناس من يعرف وجه الحق فيه، ومنهم من يرتاب وتخفى عليه الآيات لفترة ثم تصل بهم الأحداث إلى أن يعرفوا أنه الحق من الله الحق، فعلا ووجودا. وقد ينتصر الباطل ويعلو في فترة من الفترات، لكن لا بد أن تكون الجولة الأخيرة للحق لذلك قالوا: دولة الباطل ساعة ودولة الحق إلى قيام الساعة، والمؤمن الواعي الواثق بنصر الله لا يبالي لانتصار الباطل فهو موقوت، وينتظر اللحظة التي يعلو فيها الحق ويزهق فيها الباطل. المؤمن يعلم أن الباطل حين يعلو يكون جنديا من جنود الحق، فالباطل يظهر الحق لمن لا يعرفه، والضد يظهر حسنه الضد، ولولا أن الناس شقوا بالباطل وعضتهم الأحداث ما عرفوا الحق وما اشتاقوا إليه. لذلك لما تتأمل النسق القرآني في قوله تعالى:
وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا
[التوبة: 40] تعلم أن الحق ثابت، وأنه الأصل الذي عليه قامت أمور الخلق كلها، فكلمة الذين كفروا قد تعلو لكن ينتهي بها الأمر إلى أن تكون هي السفلى، جعلها الله سفلى فهي جعل من الله.
أما
وكلمة الله هي العليا
[التوبة: 40] تجد كلمة هنا مبتدأ، فهي في أصلها عليا، ليست جعلا كالأولى، يعني لم تكن أبدا سفلى، ثم جعلها الله عليا هي بطبيعتها عليا. إذن: نقول: إن الباطل يعلو لبعض الناس بأحداثه فيتنبهوا للحق. ثم يقول سبحانه ﴿ أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد ﴾ [فصلت: 53] بلى كفى به سبحانه شاهدا ومطلعا لا تخفى عليه خافية، كأن الحق سبحانه يقول لهم ما كان يصح منكم أن تنتظروا الآيات لتصدقوا الرسول، بل كان عليكم أن تصدقوه بمجرد أن يقول لأن الله شهيد عليه، والله سبحانه ليس له معارض يعارضه ويرد حكمه. لذلك قلنا: لماذا أصبح الصديق صديقا؟ لأنه لما قيل له إن صاحبك يدعي أنه نبي لم يزد على أن قال لتوه: إن كان قد قال فقد صدق، هكذا دون أن يناقش المسألة، كذلك لما بلغه خبر الإسراء والمعراج قال نفس قولته الأولى، ولم ينتظر حتى ينزل القرآن، فيخبرهم بذلك وبعدها يصدق. فالقرآن إنما ينزل يقنع الكافر المعاند أو الشاك المرتاب، والصديق رضي الله عنه كان في أعلى درجات اليقين والإيمان، وكفاه تاريخ محمد سيرته فيما مضى، فأخذ من صدقه في الماضي دليلا على صدقه في الحاضر. كلمة ﴿ شهيد ﴾ [فصلت: 53] هنا تحمل معنى الشاهد الذي يثبت الحق، والقاضي الذي يحكم فيه، والمنفذ الذي ينفذ الأحكام.