41.37
قوله تعالى: ﴿ ومن آياته.. ﴾ [فصلت: 37] من هنا تفيد التبعيض يعني: هذه بعض آياته تعالى في الكون، وإلا فآيات الله في كونه كثيرة لا تتناهى، والآية هي الشيء العجيب في تكوينه وخلقه الدال على قدرة الله وحكمته وبديع صنعه. ﴿ اليل والنهار.. ﴾ [فصلت: 37] آيتان من آيات الله الكونية، والليل والنهار يكونان معا اليوم الذي نعرفه، وهو من الوقت إلى مثله، قال تعالى:
سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما..
[الحاقة: 7]. هذه الآيات الكونية المذكورة هنا ﴿ اليل والنهار والشمس والقمر.. ﴾ [فصلت: 37] أخذت حظا واسعا في موكب الرسالات وفي العقائد، ففي قصة سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وهو يبحث عن الحق والحقيقة لما نظر في الكون من حوله، فرأى كوكبا قال:
فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لا أحب الآفلين * فلمآ رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلمآ أفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين * فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذآ أكبر فلمآ أفلت قال يقوم إني بريء مما تشركون
[الأنعام:76-78]. إذن: فالشمس والقمر مرتبطان بالليل والنهار لهما مدخل في العقيدة، هذا المدخل في العقيدة ينتقل من قسم العقيدة وهي الإيمان بالإله الواحد إلى شيء آخر، هذا الشيء جعل دليلا إيمانيا على أمر شك العرب فيه لما نزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم كانت دليلا على عدم انقطاع الوحي عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم. تعلمون قصة نزول الوحي على سيدنا رسول الله لأول مرة في غار حراء، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يعاني ويتعب من لقاء الملك لاختلاف الطبيعة الملائكية عن الطبيعة البشرية، وأنه صلى الله عليه وسلم كان يذهب إلى أهله يقول مرة: زملوني زملوني، ومرة: دثروني دثروني لما كان يحدث في طبيعته صلى الله عليه وسلم من تغيير، لذلك كان الوحي في بدايته ثقيلا على رسول الله، وقد قال تعالى:
إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا
[المزمل: 5]. وروى الصحابة أنه صلى الله عليه وسلم كان يتفصد جبينه عرقا لما ينزل عليه الملك، والصحابي الذي كان يجلس بجوار رسول الله صلى الله عليه وسلم يسند فخذه عليه، وكان يجد ثقلا لا يطيقه حينما ينزل الوحي على رسول الله. لذلك أراد الحق سبحانه أن يخفف عن رسوله صلى الله عليه وسلم هذه المعاناة، فانقطع الوحي لمدة ستة أشهر، ليستريح رسول الله وتذهب عنه متاعب التلقي الأولى، وليشتاق إلى لقاء الملك من جديد، وإلى كلام الله الذي انقطع عنه، ولا شك أن هذا الشوق سيعطيه طاقة لتحمل أمر الوحي والدعوة بعد ذلك.
رأى كفار مكة في انقطاع الوحي عن رسول الله مأخذا، فقالوا: إن رب محمد قلاه يعني: تركه وهجره، وهم لا يعلمون أن فتور الوحي ليس هجرا، إنما هو وداع الحبيب لحبيبه إلى لقاء آخر أعظم وأطول، ولذلك أنزل الله تعالى:
والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى
[الضحى: 1-3]. هذا هو موضع الشاهد، أن الحق سبحانه أقسم لهم بالضحى وهو النهار، وبالليل إذا حل بظلامه، وجعل من هاتين الآيتين الكونيتين دليلا على أن الوحي ما انقطع، إنما أراد الله لرسوله أن يرتاح من تعبه، وأن يعاود نشاطه لتلقي الوحي من جديد، كما أنكم تتعبون في النهار وترتاحون في الليل.
والضحى * والليل إذا سجى * ما ودعك ربك وما قلى
[الضحى: 1-3] ومعروف ان الضحى للشمس والليل للقمر، إذن: ففترة الوحي عن رسول الله يراد بها التخفيف عنه، كما قال سبحانه:
ألم نشرح لك صدرك * ووضعنا عنك وزرك * الذي أنقض ظهرك
[الشرح: 1-3]. والمراد: نشرح صدرك لنزول القرآن عليك فتشتاق إليه، ويكون عندك طاقة لاستقباله، فكأن القرآن أخذهم من الآيات الكونية المحسوسة إلى المعنويات، وجعل ما يرونه دليلا على ما ينكرونه، يعني: إذا كنتم في حركة حياتكم اليومية تحتاجون لليل تسكنون فيه وترتاحون من عناء النهار، فكذلك رسول الله يحتاج إلى هذه الفترة ليرتاح فيها من عناء وثقل الوحي في بدايته، ليجدد نشاطه ويشتاق إلى لقاء الملك من جديد. لذلك قال تعالى بعدها