41.46
الحق سبحانه يقرر هنا حقيقة واقعية، يريد سبحانه للعباد أن يؤمنوا بها، حتى يرسخ في أذهانهم أن كلا منهم يعمل لصالح نفسه، وأن إيمان المؤمنين لا يعود على الله تعالى بشيء، ولا يزيده سبحانه صفة لم تكن له. كذلك لا تضره معصية العاصين، ولا جحد الجاحدين، ولا إنكار المنكرين، لأنه سبحانه مستوف كل صفات الجلال والجمال والكمال قبل أن يخلق هذا الخلق، فالله تعالى ليس في حاجة أبدا إلى طاعة الطائعين ولا إيمان المؤمنين، بل العباد هم المستفيدون من أعمالهم الصالحة. وما أمور التكاليف الشرعية إلا حرصا من الله تعالى على خلقه، ورحمة من الصانع بصنعته، فكل صانع يريد لصنعته الصلاح، ويربأ بها عن الفساد وأسباب الهلكة. وتذكرون الحديث القدسي:
" يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم وغائبكم، كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم وغائبكم، كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر ذلك أني جواد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون ".
إذن: أنتم أحرار، يؤمن من يؤمن، ويكفر من يكفر، فكل مجازى بعمله ﴿ من عمل صلحا فلنفسه ﴾ [فصلت: 46] هو المستفيد، وليس لي من عمله شيء ﴿ ومن أسآء فعليها ﴾ [فصلت: 46] أي: على نفسه تحسب إساءته، هذه قضية يقررها ربك عز وجل، ولك أن تختار لنفسك، وأن توردها المورد الذي يسعدها لا الذي يشقيها. ومن العجيب أن الإنسان بعد أن عرف هذه الحقيقة يورد نفسه موارد الهلاك، لذلك وصفه الحق سبحانه بأنه ظلوم وجهول. والحق سبحانه حين ينذرنا بالعقوبة، وحين يشددها ليس من حظه أن يوقع هذه العقوبة بالعباد، إنما أراد سبحانه أن يصرفنا نحن عن أسبابها ويخوفنا منها حتى لا نقع فيها، الله تعالى منزه عن الظلم ﴿ وما ربك بظلم للعبيد ﴾ [فصلت: 46]. إنه يخوفك حماية لك، بالله حين يقول لنا: من قتل يقتل، أيريد أن يقتل الناس، أم يريد أن يحقن الدماء ويحفظها؟ ومن يقدم على القتل وهو يعرف أن من قتل يقتل؟ لذلك تجد القرآن في مسألة القوة العسكرية يقول:
وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم..
[الأنفال: 60]. العجيب أن أعداء الإسلام يأخذون من هذه الآية دليلا على أن الإسلام يؤيد الإرهاب لأنه ذكر كلمة ترهبون وهذا فهم خاطئ لأسلوب القرآن، لأن معنى إعداد القوة التي ترهب أنني لا أريد المعركة ولا أريد المواجهة، فحين يعرف عدوى أني مستعد يخاف ولا يقدم على القتال.
نسمعهم في المسائل العسكرية يقولون: توازن القوى، هذا التوازن هو الذي يحفظ السلام في المجتمع الدولي كله، وأيام كان في العالم قوتان متكافئتان هي روسيا وأمريكا كان هناك استقرار عسكري، فكل منهما تخشى الأخرى حتى كانوا يقولون على الحروب بينهما الحرب الباردة لكن لما تفككت قوة روسيا أصبح لأمريكا الغلبة، فهي القوة الوحيدة الآن، ونراها تعمل ما تريد دون رادع من قوة أخرى. إذن: نقول: الحق سبحانه وتعالى حين يأمرنا بإعداد القوة العسكرية لا يعني أنه سبحانه يدفعنا إلى ساحة القتال، إنما يعني حفظ السلام بيننا وبين غيرنا، ومعلوم أنك لا تقدم أبدا على مهاجمة من هو أقوى منك، فالآية تريد السلام، لا تريد الإرهاب كما يدعون. وقوله سبحانه: ﴿ وما ربك بظلم للعبيد ﴾ [فصلت: 46] كلمة ظلام على وزن فعال، وهي صيغة مبالغة من ظالم مثل: قاتل وقتال، والآية حينما تنفي صيغة المبالغة لا يقتضي ذلك نفي الأصل وهو ظالم، فالوصف الأقل موجود، لأنك لو قلت في الإثبات فلان علام دل ذلك على أنه عالم من باب أولى، لكن في النفي لو قلت: فلان ليس بعلام، فلا يمنع أن يكون عالما. إذن: فهل يعني نفي المبالغة ظلام إثبات ظالم - تعالى الله عن الظلم - قالوا: لا، لأن لفظ الآية ﴿ وما ربك بظلم للعبيد ﴾ [فصلت: 46] ولم يقل للعبد، فصيغة المبالغة جاءت من تكرار الفعل. يعني: ظلم عبدا واحدا يعني ظالم، فإن ظلم الكل فلا بد أن عنده قوة كبيرة تحوله إلى ظلام. فنفي ظلام بهذا المعنى نفي لظالم أيضا، ثم من يريد أن يظلم يظلم على قدر قوته، فعلى فرض أن الحق سبحانه وتعالى يظلم فهو ظلام ﴿ وما ربك بظلم للعبيد ﴾ [فصلت: 46]. الحق سبحانه وتعالى حين ينفي صفة الظلم عن نفسه تعالى بعد قوله ﴿ من عمل صلحا فلنفسه ومن أسآء فعليها ﴾ [فصلت: 46] كأنه يقول سبحانه: أنا حكم عدل بينكم وبين أنفسكم، أجزي كل نفس بما عملت وبما سعت دون ظلم، فأنا أحكم لكم وعليكم، فأنتم لستم خصوما لي.