41.39
ما يزال السياق القرآني يأخذنا إلى الآيات الكونية التي تثبت قدرة الخالق سبحانه ﴿ ومن آياته.. ﴾ [فصلت: 39] من هنا قلنا للتبعيض. يعني: هذه بعض آيات الله آياته أي: الكونية الدالة على قدرته تعالى، وهي الشيء العجيب الدال على بديع الصنعة ﴿ أنك ترى الأرض خاشعة.. ﴾ [فصلت: 39] أي: ساكنة مستقرة لا شيء عليها من زرع مثلا، لأن الأرض خلقت لتكون تربة للنبات، وكأن الأرض التي لا زرع عليها أرض حزينة خاشعة ساكتة ساكنة لأنها لم تنبت، وربما شابهت في ذلك المرأة التي لا تنجب. ﴿ فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت.. ﴾ [فصلت: 39] اهتزت: تحركت وربت زادت وانتفشت، ترون حبة الفول النابت مثلا تكون جافة جامدة، فإذا بللتها بالماء زادت في الحجم وانتفشت، والمراد: اهتزت وتحركت بما يخرج منها من نبات. ﴿ إن الذي أحياها.. ﴾ [فصلت: 39] أي: أحيا هذه الأرض الساكنة بالنبات وحولها إلى هذا البساط الأخضر النضر ﴿ لمحى الموتى.. ﴾ [فصلت: 39] إذن: خذ من هذه الآية الحسية المشاهدة لك دليلا على صدق ما غاب عنك وأخبرك الله به من أمر إحياء الموتى، فيا من تكذب بالبعث وإحياء الموتى، أما لك عبرة في إحياء الأرض القفر الجدباء بالنبات. ﴿ إنه على كل شيء قدير ﴾ [فصلت: 39] يعني: قدرة الله فيها طلاقة، لأنه سبحانه لا يعجزه شيء، والذي خلق الخلق الأول من عدم أقدر على إعادته لأن بعث الميت يبعث شيئا موجودا وهذا أهون لو قلنا تجاوزا في حق الله تعالى هين وأهون، لكي نفهم نحن، يقول تعالى:
أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد
[ق: 15]. الحق سبحانه وتعالى أخبرنا عن كيفية خلق الإنسان والذي يعرف كيفية البناء يعرف منها كيفية الهدم، وقلنا: إنها عكس البناء، فما بني أولا يهدم آخرا، وآخر شيء في البناء أول شيء في الهدم وهنا الروح. ولا بد أن نذكر هنا أن الحق سبحانه حذرنا من المضلين الذين يضلون الناس في مسألة الخلق. فقال: لا تصدقوا من يخبركم بشيء في هذا الموضوع لأنه لم يشهد عملية الخلق:
مآ أشهدتهم خلق السموت والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا
[الكهف: 51]. إذن: فكان الذين قالوا إن الإنسان أصله قرد جنود لهذه الآية ودليل على صدقها، فالحق سبحانه يعلم ذلك ويتنبأ لنا به، وها هو يحدث فلا تصدقوهم، إنهم كاذبون بدليل أن الإنسان عاش على هذه الأرض آلاف السنين لم ير إنسانا تحول إلى قرد، ولا قردا تحول إلى إنسان. ولقد توصل العلم الحديث إلى صدق القرآن في مسألة خلق الإنسان من طين الأرض، حيث وجدوا أن عناصر تكوين الإنسان هي نفس عناصر تكوين الأرض، وهي ستة عشر عنصرا، وحين يموت الإنسان تتحلل هذه العناصر وتذوب في الأرض، فأجزاؤه موجودة يعلمها الله ويحصيها وهو وحده القادر على إعادتها.
واقرأ:
قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ
[ق: 4] فالمسألة صعبة بالنسبة لك، لكنها سهلة هينة على الخالق سبحانه، فهو عز وجل يعلم كم نقص منك من عناصر ومقدار هذه العناصر ونحن بنو البشر نختلف في أشكالنا وألواننا، لكن المادة واحدة هي الستة عشر عنصرا في الكل، لكن الجزاء تختلف، ونسبة هذه العناصر تختلف من إنسان لآخر، ولذلك تختلف شخصياتنا. فقوله:
قد علمنا ما تنقص الأرض منهم..
[ق: 4] يعني: كم أخذت منك من الأكسوجين، وكم أخذت من الكربون، وكم أخذت من الحديد.. وهكذا فهي إذن مقادير معلومة في علم الله سبحانه وفي هذا الكتاب الحفيظ الذي يحفظ كل شيء بكل دقة، وحفيظ فعيل يعني: صيغة مبالغة من الحفظ. فلا تكذب بالبعث، وخذ مما ترى دليلا على صدق ما أخبرك ربك به من الغيبيات. قلنا: لو أن إنسانا يزن مائة كيلو مثلا ثم مرض، فنزل وزنه إلى ستين، فكم فقد من وزنه؟ فقد أربعين، أين هي؟ نزلت فضلات إلى الأرض، نعم، ثم ذهب إلى الطبيب فعالجه وشفاه الله وبدأ يأكل حتى عاد إلى وزنه الأول. هل أخذ نفس العناصر ذاتها التي فقدها؟ لا بل أخذ مثلها، مثل المريض مثلا بنقص الحديد فيعطيه الطبيب دواء غنيا بالحديد حتى تعتدل عنده نسبة الحديد في الدم، إذن: أخذ نفس العناصر التي فقدها من عنصر الحديد، لكن ليست هي هي التي فقدها من قبل.