تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41.5

معنى ﴿ أكنة.. ﴾ [فصلت: 5] يعني: أغطية جمع كنان أي: غطاء. والغطاء يغلف الشيء بحيث لا ينفذ إليه النور، وفي آية أخرى قال سبحانه:

إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه..

[الكهف: 57] فالأكنة مرة من جعل الله ومرة منهم، فأيهما أسبق؟ أجعل الله لهم أكنة أولا ثم أصابتهم الغفلة، أم أن إعراضهم عن دين الله هو الذي جعل الأكنة على قلوبهم؟ وقلنا: إن الإنسان إذا ألف الكفر وأنس به زاده الله منه وختم على قلبه، بحيث لا يدخله الإيمان ولا يخرج منه الكفر. إذن: يأتي منهم الكفر أولا، وبعد ذلك يختم الله على القلب، كذلك في مسألة الأكنة جاءت منهم أولا، فزادهم الله، وجعل على قلوبهم الأكنة وزادهم مرضا على مرض. إذن: المراد بالأكنة أي الأغطية التي تمنعهم فهم وتدبر ما يسمعون، وما يلقي عليهم ﴿ وفي آذاننا وقر.. ﴾ [فصلت: 5] وقر يعني: صمم يمنع السماع. وفي سورة البقرة قال:

صم بكم عمي..

[البقرة: 18]. ومعلوم أن البكم ينشأ عن الصمم، لأن الأصم الذي لا يسمع كيف يتكلم؟ لأن اللغة ظاهرة اجتماعية وهي بنت المحاكاة، فما تسمعه الأذن يحكيه اللسان، فإذا لم تسمع الأذن شيئا لا ينطق اللسان بشيء، فاللغة ليست جنسا، اللغة سماع ومحاكاة، بدليل أنك تأتي بالطفل الإنجليزي مثلا في بيئة عربية ينطق العربية. والأصم عنده القدرة على الكلام، بدليل أنه ينطق ببعض الأصوات غير المفهومة كما نسمع من الأخرس مثلا، حتى الإنسان السوي الفصيح لا يستطيع أن يتكلم بكلمة لا يعرفها من لغته هو، من أين يأتي بها؟ من السماع أولا. ولذلك أخذنا من هذه المسألة أدلة مادية على وجود الخالق الأعلى سبحانه، نقول: أنت كيف تتكلم؟ يقول: أتكلم لأنني سمعت في صغري أبي وأمي ومن حولي يتكلمون، فقلت كما يقولون، إذن: لا تنشأ لغة إلا بالسماع. وكذلك الحال في الآباء وفي الأجداد، وارتق بهذه السلسلة إلى آدم عليه السلام وقل: كيف تكلم آدم وليس قبله أحد يسمع منه؟ لا بد أنه سمع، سمع من من؟ سمع من الله تعالى حين علمه الأسماء كلها. منافذ الخواطر التي ترد الآذان، ومنافذ الخواطر التي تصدر من اللسان، ولأن هؤلاء صم لا يسمعون لم يأخذوا شيئا، وبالتالي لم يخرجوا شيئا، لذلك قال سبحانه: ﴿ قلوبنا في أكنة.. ﴾ [فصلت: 5] يعني: أغطية تمنع عنهم الاستفادة ﴿ وفي آذاننا وقر.. ﴾ [فصلت: 5] يعني: صمم، ولم يأت هنا بذكر اللسان لماذا؟ لأنهم لن يتكلموا في الدين لأنهم لم يسمعوه، فكونه لم يأت بالكلام هنا دل على أنهم لن يسمعوا ولن يتكلموا، تأمل هنا الدقة لأنه كلام رب.

وقولهم: ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب.. ﴾ [فصلت: 5] أي: ستر غليظ يحجبك، فأنت تكون مع جليسك تحدثه ويحدثك، تسمعه ويسمعك، تراه ويراك، تأنس به ويأنس بك.. إلخ لكن إن كان بينك وبينه حجاب امتنع ذلك كله. هذا الحجاب قد يكون معنويا، تقول: بين فلان وفلان جفوة أي: جفوة صغيرة سرعان ما تزول. لكن إن قلت: بين فلان وبين فلان جفوة، وكررت ظرف المكان دل ذلك على أنها جفوة كبيرة ليس من السهل إزالتها. كذلك قالوا: ﴿ ومن بيننا وبينك حجاب.. ﴾ [فصلت: 5] يعني كثيف غليظ يستر كل شيء، من هنا إلى هنا، يعني: يملأ كل ما بيننا من مسافة. قالوا: لما كان سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يكلم القوم، ويعرض عليهم دين الله كان أبو جهل يأخذ ثوبه ويضعه على وجهه حتى لا يرى رسول الله. وما دام أن بيننا وبينك حجابا، فلن نتفق وكل منا في طريق، وما دام أن لكل طريقه ﴿ فاعمل إننا عاملون ﴾ [فصلت: 5] وهذه القضية أوضحها الحق سبحان في سورة الكافرون:

قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي دين

[الكافرون: 1-6] هذه هي النتيجة الطبيعية للحجاب بينهما. بعض الناس حين يقرأون هذه السورة يظنون بها تكرارا، وهذا ليس تكرارا، بل في السورة قطع علاقات، وقطع العلاقات له ظرف يحكمه، ألم تر إلى الدول تقطع إحداها علاقتها بالأخرى، ثم تصفو الأجواء مرة أخرى، وتعود العلاقات أحسن مما كانت، ففرق في الدبلوماسية بين الماضي والحاضر. لكن في مسألة الكفر والإيمان الأمر مختلف فهما ضدان لا يلتقيان، مهما حدث في المستقبل. فلن تعود العلاقات بينهما، لذلك قال سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢١٨