أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب لحكمه
[الرعد: 41] أو لم يأخذوا من ذلك عبرة
والله يحكم لا معقب لحكمه
[الرعد: 41]. فهل بعد ذلك شك في نصرة الله لدينه؟ ألم تغز هذه الأمة الأمية أعظم حضارتين على وجه الأرض آنذاك، هما حضارة فارس في الشرق، وحضارة الروم في الغرب، وفي وقت واحد وزمن متقارب، حتى أن هؤلاء كان عندهم طرق للحرب وفنون لا يعرفها العرب ولا يجيدونها، ومع ذلك انتصروا عليهم.
رووا أنهم كانوا يستخدمون الأفيال في الحروب، ولم يكن العرب يعرفون شيئا عنها، لكن ألهم الله تعالى سيدنا سعد بن أبي وقاص إلى حيلة يتغلب بها على الفيل، واهتدى إلى أن خرطوم الفيل نقطة ضعف فيه، فصنع لذلك سيوفا خاصة يضرب بها خراطيم الأفيال فتسقط. ثم يدخل الإسلام هذه البلاد شرقا وغربا في نصف قرن من الزمان، ويجد له أن هناك أنصارا ومحبين، منهم من دخل الإسلام طواعية اقتناعا، ومنهم من وجد في الإسلام ضالته حيث عدالة الإسلام وسماحته في مقابل جور الحكام هناك وكثرة المظالم والفساد. هذه كلها آيات نفهمها من قوله تعالى: ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ [فصلت: 53] فالفتح الإسلامي الذي عم العالم كله آية من الآيات، هذا الانتشار الواسع للإسلام لم تستطيعوا أن تصدوه، لأن الله وعد به عباده المؤمنين ووعد به رسله، والحق سبحانه لما وعد الرسل بالنصرة لم يعدهم سرا إنما في قرآن يتلى إلى يوم القيامة ويجهر به، قرآن تكفل الله بحفظه وصيانته، والعادة أنك تحفظ ما لك لا ما عليك، أما الحق سبحانه فيحفظ وعده الذي تكفل به لأنه واثق أنه واقع لا محالة. ومن المعاني التي نفهمها من الاستقبال في ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ [فصلت: 53] أن المسلمين كانوا في بداية الأمر مضطهدين غير مأمورين بقتال، وربما مات بعضهم قبل أن يتحقق وعد الله بالنصر، فلما قرأوا: ﴿ سنريهم آياتنا في الآفاق ﴾ [فصلت: 53] علموا أن النصر قادم حتى ولو ماتوا قبل أن يروا فرحته. وتعلمون أن الله لم يأمر المسلمين بالقتال إلا بعد أن تمكن الإيمان من نفوسهم، واستقرت العقيدة في قلوبهم، حتى أن بعضهم يقول لسيدنا رسول الله: يا رسول الله، أليس بيني وبين الجنة إلا أن أقاتل هؤلاء فيقتلونني؟ فيقول له رسول الله: بلى فيلقى الرجل تمرة كان يمضغها ويبادر بنفسه إلى ساحة القتال، ويعجل المسير إلى الشهادة لما استقر في نفسه من عقيدة علمته أنه ذاهب إلى أفضل مما هو فيه ومقبل على جنة عرضها السماوات والأرض. وسوف تظل هذه السين الاستقبالية ﴿ سنريهم ﴾ باقية تمدنا بعطاء لا ينتهي حتى قيام الساعة التي ستكون هي الآية الكبرى سنريهم آيات في كل زمان، آيات في صالح هذا الدين ونصرة أهله في كل الآفاق. وقوله تعالى: ﴿ وفي أنفسهم ﴾ [فصلت: 53] يعني: آيات في الأنفس، في الأشخاص، في لحمك ودمك وروحك، في أعضائك وأجزائك، في كل شيء فيك آية لو تدبرت. الحق سبحانه وتعالى خلق الإنسان من طين، وأخبرنا بكيفية الخلق ومراحله، ومحمد صلى الله عليه وسلم لم يكن عالما من علماء التشريح ولا يعرف علم الأجنة إنما علمه ربه الأعلى، وجاء العلم الحديث ليثبت صدق ما أخبر به في مسألة خلق الإنسان من طين، وأن نسله من سلالة من ماء مهين، وأنه كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما، ثم كسى العظام لحما.
وها هو العلم يكشف لنا كل يوم عن جديد في أنفسنا وعن عجائب لم نكن نعرفها في أنفسنا من قبل، إنك حين تقرأ آخر ما توصلت إليه العلوم في جسم الإنسان تعلم أنك في ذاتك عالم عجيب وبناء محكم دقيق، وصدق القائل:
وتحسب أنك جرم صغير
وفيك انطوى العالم الأكبر
وسبق أن تحدثنا عن بعض عجائب الخلق وقلنا مثلا: أن حرارة الجسم العادية 37 تجدها حرارة من يعيش عند خط الاستواء، وحرارة من يعيش عند القطبين، ومع ذلك لا يحدث استطراق حراري داخل الجسم، فتجد كل عضو من الأعضاء يحتفظ لنفسه بالحرارة التي تناسبه، فالكبد درجة حرارته 40 والعين لا تزيد عن 9 ، وهما في جسم واحد، ولا يحدث بينهما استطراق حراري. تأمل الدم سائل الحياة في الجسم كله وكيف يحتفظ لنفسه بدرجة من السيولة لو زاد عنها يحدث نزيف، ولو قلت تحدث جلطة وشلل والعياذ بالله. تأمل الكليتين وما فيهما من أسرار وقدرة وإبداع، فالكلية لو حدث لها فشل عن أداء وظيفتها تقوم الأخرى بمهمتها، ويكفي الجسم أن يعيش بكلية واحدة لو فقدت الأخرى، لذلك قلنا بتحريم نقل الكلية من شخص لآخر لأن الخالق سبحانه جعل لنا كليتين، كل كلية منهما فيها مليون خلية مستعدة للعمل لا يعمل منها سوى مائة ألف فقط، فإن توقفت هذه المائة تبعتها المائة الثانية وهكذا. فكيف إذن يحدث الفشل الكلوي؟ قالوا: يحدث من أن المائة ألف أدت مهمتها ثم توقفت ولم تنتبه المائة ألف الثانية لكي تقوم بمهمتها، فحين نأخذ من شخص كليته ونعطيها لشخص آخر نقول: هذا إجرام وانتحار، لأن الكلية الباقية لو توقفت لا بد أن يموت الإنسان. ومن العجائب وآيات الخلق سبحانه في الإنسان آية الجلد وما فيه من أسرار، فهمناها من قوله تعالى في الحديث عن عذاب الكافرين: