تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41.36

ومن رحمة الله بنا أنه سبحانه لم يتركنا نهبا لهذا العدو الذي يتربص بنا، إنما أعطانا الحصانة التي نتحصن بها منه، فقال تعالى: ﴿ وإما ينزغنك من الشيطن نزغ فاستعذ بالله.. ﴾ [فصلت: 36] ذكره بالله القوي، فإن كنت أنت ضعيفا أمامه فاستعن عليه بالإله القوي، وساعة يراك في جنب الله لا يجرؤ أبدا عليك، لأنك داخل في هؤلاء الذين استثناهم

إلا عبادك منهم المخلصين

[ص: 83]. وانتبه أنه لن يأتيك إلا على الصراط المستقيم ليفسده عليك، يأتيك في صلاتك ويذكرك بما لم يكن لك على بال، وبأهم الأمور عندك في الدنيا، المهم عنده أن يفسد عليك الآخرة بأي ثمن. فإذا وجدت في نفسك شيئا من نزغه ووسوسته فقل: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قلها في كل حال يأتيك فيه إبليس وأنت تصلي، وأنت تقرأ القرآن، وأنت في أي عبادة من العبادات. لك أن تقول هذه الكلمة وهي لا تخرجك من عبادتك على أي حال، وعندما تداوم على هذه الكلمة سييأس منك ويبتعد عنك، ويعرف أنك صلب قوي تستمد قوتك من الله، عندها سينصرف عنك، ولم لا وأنت تعرف ألاعيبه وتكشف حيله؟ لكن الخيبة أن كثيرين منا ينساقون وراء الشيطان، ويسلمون له قيادهم، وما يفعله الشيطان مع هؤلاء أنه يعطيهم أول الخيط ويتركهم هم يكرون الباقي دون جهد منه ودون عناء، وهؤلاء هم الذين استزلهم الشيطان وأخضع رقابهم، فهم يسيرون في ركبه دون تفكير أو تأمل. هب أن لصا جاء يحوم حول بيتك، فقلت: إحم، تريد أن تسمعه ويعرف أنك يقظ، لا بد أنه ينصرف، وقد يعتبر أنها مصادفة فيعاود مرة أخرى فتقول: إحم، إذن: ليست مصادفة بل أنت له بالمرصاد فأنت متيقظ، لذلك ينصرف عنك بلا رجعة، كذلك الشيطان. قلنا: من غباء إبليس وغفلته أن يعلن لنا عن خططه في غواية بني آدم ويعلن عن أساليبه، والغباء يكون أعظم لمن عرف هذه الخطط وهذه الأساليب، وانساق وراءها ولم يأخذ الحيطة. وحين نتأمل قول إبليس:

ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمآئلهم..

[الأعراف: 17] تلحظ أنه ترك جهتين لم يذكر أنه يأتي منهما: جهة أعلى وجهة أسفل، لماذا؟ قالوا: لأن العلو جهة التوجه إلى الله، جهة عز الربوبية، وجهة الأسفل تمثل ذل العبودية ساعة تسجد لله ذلا وخضوعا له سبحانه، فهاتان الجهتان لا يأتي منهما الشيطان. وقوله: ﴿ إنه هو السميع العليم ﴾ [فصلت: 36] الذي لا يغيب عن سمعه شيء، فإن وسوس لك الشيطان بكلام سمعه وعلمه. بعد أن بين لنا القرآن هذا البيان، يعود ليلفتنا ثانيا إلى بعض آيات الله في الكون، فبهذه الآيات نستدل على وجود الخالق سبحانه وعلى قدرته تعالى، حيث لو جاءت هذه الآيات على أيدي علماء كافرين بالله إلا أننا ننتفع بها، والله مساكين هؤلاء العلماء ينفعون البشرية كلها ولا ينفعون أنفسهم، لأنهم - كما قلنا - لا ينطلقون في اختراعاتهم وابتكاراتهم من منطلق الإيمان بالإله تبارك وتعالى، فهم كالمطايا ينتفع الناس بخيرهم، ولا ينالهم من ذلك شيء، اللهم إلا متاع الدنيا الزائل.

وأقرب آيات للإنسان نفسه لو تأملها، مثلا درجة الحرارة الطبيعية للجسم 37 تجدها ثابتة فيمن يعيش عند خط الاستواء، وفيمن يعيش عن القطب الشمالي، وأنتم تعرفون نظرية الاستطراق الحراري، لكن قدرة الله تحتفظ للجسم بهذه الدرجة بصرف النظر عن الجو المحيط به. ثم في داخل الجسم ذاته تجد حرارة الأعضاء مختلفة، فالعين لا تزيد درجة حرارتها عن 9 ، والكبد لا يؤدي مهمته إلا عند 40 ، وهما في جسم واحد وغلاف واحد، ومع ذلك لا يحدث استطراق للحرارة، وهذه آية ومعجزة لا يقدر عليها إلا الخالق سبحانه. تأمل الدم سائل الحياة الذي يجري بداخلك لا بد له من درجة سيولة معينة داخل الجسم، فإن قلت هذه السيولة تجلط وحدث شلل للجزء الذي تحدث به الجلطة والعياذ بالله، وإن زادت سيولته أدى إلى نزيف، فمن يحفظ له هذه الدرجة من السيولة؟ الله!! ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ومن آياته اليل والنهار... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٦١