تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41.53

قلنا: إن السين في ﴿ سنريهم ﴾ تفيد الاستقبال، لذلك ستظل هذه الكلمة لها موضع إلى يوم القيامة ستظل صادقة في كل زمان ﴿ آياتنا ﴾ أي: الآيات الكونية الدالة على قدرة الله وبديع صنعه ﴿ في الآفاق ﴾ جمع أفق وهو متسع امتداد نظرك إلى أن تنطبق السماء على الأرض. والآفاق هنا تعني السماء والأرض، ومنه قولنا فلان أفقه واسع إذا كان بعيد النظر في المسائل المعنوية، وبقدر ما تتسع البصائر تتسع الرؤية. قوله تعالى: ﴿ سنريهم ﴾ يعني: في المستقبل هل تعني أن الله تعالى لم يرهم آياته من الماضي؟ لا بل أراهم آيات كثيرة، لكنهم غفلوا عنها وأغمضوا أعينهم عنها، غفلوا عن قوله تعالى:

ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين * إنهم لهم المنصورون * وإن جندنا لهم الغالبون

[الصافات: 171-173]. إذن: هذه سنة الله في عباده المرسلين، وهذا وعد من الله بنصرتهم وغلبهم، والحق سبحانه لا شريك له ولا مناوئ يخالف هذا الوعد. وقد علمتنا هذه الآية أصول الجندية، وأن للنصر شروطا فمن توفرت فيه شروط الجندية استحق النصرة، ومن خالف شروط الجندية فلا بد أن تتحقق فيه سنة الله لذلك قلنا: إذا رأيت المسلمين قد خسروا معركة ما فاعلم أنهم خالفوا هذه الشروط، وساعة يهزمون لا يقال هزم الإسلام لا، إنما هزم المسلمون الذين خالفوا أمر القائد وخالفوا شروط النصر، لابد أن تكون الهزيمة لتعلمهم وتربيهم على الطاعة لأمر القائد، لأنهم لو انتصروا مع المخالفة للجندية لهان عليهم أمر القائد بعد ذلك. هذا الدرس تعلمناه في أحد يوم خالف الرماة رسول الله بالبقاء في أماكنهم العالية مهما كانت نتيجة المعركة، لكنهم نظروا إلى متاع الدنيا الزائل وأغرتهم الغنائم لما رأوا بشائر النصر، فنزلوا وتركوا أماكنهم، فما كان من خالد بن الوليد إلا أن التف وطوق جيش المسلمين من الخلف وحدثت الهزيمة أو على الأقل لم يكتمل الانتصار، فهل يجوز إذن أن نقول هزم الإسلام؟ إذن: ينبغي أن نصحح فهمنا لهذه المسألة، فقد يهزم جيش المسلمين وفيه رسول الله لأنه لم يأخذ بأسباب النصر، وحينها لا نقول هزم الإسلام، بل خالف المسلمون فاستحقوا الهزيمة، ابحثوا إذن في أسباب الهزيمة وفي أسباب التخلف، فتشوا عن عيوبكم وعن مخالفتكم لمنهج الله فهي السبب، والتاريخ شاهد بذلك. فيوم حنين قالوا: لن نهزم اليوم من قلة، ومن قالها؟ قالها أبو بكر نفسه لما رأى المسلمين يبلغ العشرة آلاف مقاتل، فلما داخلهم شيء من الغرور بالعدد أدبهم الله وأعطاهم درسا، فهزموا أول الأمر، لكن أدركتهم رحمة ربهم فأعاد إليهم معنوياتهم وكتب لهم النصر في النهاية.

ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين * ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها وعذب الذين كفروا وذلك جزآء الكافرين

[التوبة: 25-26]. فمقدمات الهزيمة التي رآها المسلمون في هذه الحرب كانت نوعا من التربية ليست كرها من الله لعباده على حد قول الشاعر:

فقسا ليزدجروا ومن يك حازما

فليقس أحيانا على من يرحم

إذن: نقول إن وعد الله بالنصر لا يتخلف، وإنما تخلف المسلمون عن أن يكونوا أهلا لتحقيق الوعد، وأن يكونوا على مستوى النصر الذي وعدهم الله به. لكن لماذا يعاند المشركون كل هذا العناد ويغمضون أعينهم عن آيات الله وهي واضحات؟ يعاندون لأنهم سادة ولهم سلطة زمنية، وجاء الإسلام ليسلبهم هذه السيادة وينهي هذه السلطة الزمنية ويجعل الناس سواسية كأسنان المشط لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي إلا بالتقوى. فسلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي كلهم في الإسلام سادة وفي الصفوف الأولى، لذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٨٢