تبت يدآ أبي لهب وتب * مآ أغنى عنه ماله وما كسب * سيصلى نارا ذات لهب * وامرأته حمالة الحطب * في جيدها حبل من مسد
[المسد: 1-5]. وقد سمع أبو لهب هذه السورة، وكان بوسعه أن يقف أمام نادي القوم وتجمعهم، ويقول بأعلى صوته: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ولو كذبا، لكنه لم يفعل لأن الله تعالى حكم عليه أنه لن يقولها أبدا. فالله تعالى ﴿ لذو مغفرة ﴾ [فصلت: 43] لكل كافر ولكل مكذب ولكل معاند، رجع إلى الجادة وتاب وأناب ﴿ وذو عقاب أليم ﴾ [فصلت: 43] لمن أصر على كفره وتمادى في عناده ومصادمته لدعوة الحق. ولا يخفى أن الجمع بين المعنى وضده في موضع واحد سمة من سمات الأسلوب القرآني، لأن الضد يظهره الضد، وبضدها تتميز الأشياء، وربك يخبرك ويترك لك أن تختار لنفسك دواعي المغفرة أو دواعي العقاب.
41.44
قوله تعالى: ﴿ ولو جعلناه ﴾ [فصلت: 44] أي: القرآن وسمي قرآنا لأنه يقرأ أعجميا أي: بلغة الأعاجم وهم غير العرب كالإنجليزية والفرنسية وغيرها من اللغات غير العربية. ﴿ لقالوا لولا فصلت آياته ﴾ [فصلت: 44] يعني: جاءت بالعربية ذلك لأن التوراة نزلت بالعبرية وهي لغة سيدنا موسى - عليه السلام - وأصله، فقال بعضهم: لولا كان القرآن باللغة العبرية مثل التوراة، لكن النبي محمدا عربي الأصل واللغة فنزل عليه القرآن بلغته ولغة قومه. فالحق سبحانه يبين أن القرآن لو نزل أعجميا لطلبوا وتمنوا أن يكون عربيا، لكن بصرف النظر عن اللغة التي نزل بها هو في ذاته هدى وشفاء ﴿ قل هو للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر ﴾ [فصلت: 44] أي: الذين لا يؤمنون به في آذانهم صمم، فهم لا يسمعون السماع النافع المثمر ﴿ وهو عليهم عمى ﴾ [فصلت: 44] يعني: ظلمة وشبهات يتخبطون فيها. إذن: فالقرآن واحد لكن النتيجة مختلفة، لأن استقبال القرآن يختلف باختلاف نية المستقبل، فالذي يسمعه بأذن واعية وقلب صاف غير مشغول بنقيضه يجده هدى، ويجده شفاء، والذي سمعه باستكبار وقلب غير مهيىء للإيمان يجده عمى، والأعمى يتخبط لا يدري أين يتجه. فهذا يقرأ القرآن أو يسمعه فلا يفهمه ولا يتأثر به، وهؤلاء قال الله فيهم:
ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا
[محمد: 16]. وسبق أن أوضحنا نظرية الفاعل والقابل، فالفاعل يقوم بالفعل والقابل يتأثر به، ففرق بين الفلاح الذي يضرب الأرض بفأسه وبين من يضرب بها صخرة مثلا، الأرض تنفعل للفأس وتتأثر بها وتثمر وتنتج، أما الصخرة فلا تقبل ولا تتأثر. إذن: لا تحكم على الشيء إلا إذا حدث هذا التفاعل بين الفاعل والقابل، تذكرون أننا ضربنا مثلا في هذه المسألة بكوب الشاي الساخن ننفخ فيه ليبرد، وتنفخ في يديك لتدفئها، فالنفخة واحدة لكن الأثر مختلف لاختلاف القابل. وقوله تعالى: ﴿ أولئك ينادون من مكان بعيد ﴾ [فصلت: 44] لأنهم سمعوا فلم يتأثروا به، شبههم الله بمن ينادى من بعيد فلا يسمع.