تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41.4

قوله تعالى: ﴿ بشيرا ونذيرا.. ﴾ [فصلت: 4] هذا أول شيء في التفصيل، كما قلنا: فصل الحق والباطل، والحلال والحرام، هنا بشيرا ونذيرا ﴿ فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون ﴾ [فصلت: 4] إعراض الكثرة يدل على أن القلة هي التي آمنت وهي القلة المستضعفة، أما أكثرهم فكانوا أهل السيادة وأهل القوة الذين لم يقبلوا الدعوة الجديدة التي تسويهم بهؤلاء الضعفاء والعبيد. لذلك سيدنا أبو بكر لما تولى الخلافة، وجاءه جماعة من هؤلاء الصناديد، وكان عنده جماعة من المستضعفين السابقين للإسلام أخر الصناديد والكبراء حتى يفرغ ممن عنده فشق ذلك عليهم، ووجدوا في أنفسهم شيئا، كيف يقدم أبو بكر عليهم العبيد والضعفاء، فقال الصديق: ما بال هؤلاء؟ كلهم ورم أنفه أن قدمت عليه فلانا وفلانا، فما بالهم إذا قدمهم الله عليهم يوم القيامة في الجنة؟ لكن ما وجهة الإعراض في قوله تعالى: ﴿ فأعرض أكثرهم.. ﴾ [فصلت: 4] قالوا: وجهة الإعراض أنهم يفهمون مطلوب الدين الجديد بقولهم: لا إله إلا الله. وأن السيادة لن تكون إلا لهذه الكلمة، ولن تكون سيطرة إلا لهذه الكلمة، وأن العباد سيكونون سواء أمامها، إذن: كيف يقولون لا إله إلا الله، وهم يعرفون مطلوبها؟ لذلك لم يقولوها، ولو كانت مجرد كلمة تقال لقالوها، لكنهم يعرفون معناها فوقفوا. وقوله: ﴿ فهم لا يسمعون ﴾ [فصلت: 4] أي: لا يسمعون سماعا نافعا، وسماعا واعيا مقبولا، وإلا فقوله تعالى: ﴿ فأعرض أكثرهم.. ﴾ [فصلت: 4] دل على أنهم سمعوا دعوة رسول الله، سمعوها بالآذان فقط، ولم يستفيدوا بهذا السماع، لذلك قال تعالى فيهم:

ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا..

[محمد: 16]. لذلك يختلف الناس في تلقي القرآن، فواحد يسمع وينفعل ويسجد لعظمة القرآن، وآخر يسمع ويقول: ماذا قال!! على سبيل الاستهزاء والاستقلال. لأنه لا يسمع بأذن الاعتبار والتأمل، لماذا؟ لأن منافذ القلب من العقل مضببة بالمطلوب الذي يطلبه الإيمان منهم، فقد ألفوا السيادة، فساعة يسمعون ما يعارض سيادتهم وسلطتهم الزمنية يعرضوا. لذلك قلنا في قصة إسلام سيدنا عمر أنه لما سمع القرآن أولا عاند وثار، لأنه قلبه لم يكن معدا للاستقبال السليم، فلما لطم أخته وسال الدم منها رق قلبه ولان، وزال عنه الضباب، فلما سمع القرآن تأثر به وانفعل به فآمن.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢١٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢١٧