41.6-7
قل أي: في الرد عليهم ﴿ إنمآ أنا بشر مثلكم يوحى إلي.. ﴾ [فصلت: 6] يعني: لماذا تقفون مني ومن دعوتي هذا الموقف المعاند؟ لماذا تجعلون بيني وبينكم الحجب، وأنا واحد منكم عربي مثلكم تعرفون صدقي وتاريخي قبل ذلك بين ظهرانيكم. ومن رحمة الله بكم أن أرسلني إليكم بشرا من جنسكم، ولم يرسل إليكم ملكا:
ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون
[الأنعام: 9]، وتعلمون سوابقه في الصدق والأمانة والعفة. ثم لو جاءكم ملك، أكنتم تقتدون به على ملكيته؟ إن الأسوة لا تكون من الملك للبشر. وتأمل الأدب والتواضع من رسول الله في قوله: ﴿ إنمآ أنا بشر مثلكم.. ﴾ [فصلت: 6] يعني: لا كبرياء ولا تعال، لكن فضلني الله عنكم بأنه ﴿ يوحى إلي.. ﴾ [فصلت: 6] ومضمون هذا الوحي ﴿ أنمآ إلهكم إله واحد.. ﴾ [فصلت: 6] وما دام يوحى إلي فأنا مبلغ لا ذنب لي تؤاخذونني عليه، أنا بشر مثلكم ومن أنفسكم لا أمتاز عليكم إلا بما ميزني الله به من الوحي. لذلك نجد الحق سبحانه كثيرا ما يصحح لرسول الله ويعدل له الحكم ويعاتبه، ورسول الله هو نفسه الذي يخبرنا بذلك، وهذا دليل على أنه أمين في البلاغ عن ربه، لذلك يقول تعالى:
ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين
[الحاقة: 44-46]. وقال: ﴿ أنمآ إلهكم.. ﴾ [فصلت: 6] ولم يقل ربكم لأنهم يؤمنون بوجود الله الخالق الرازق، المشكلة عندهم في الإله المعبود، فالإله المعبود له أوامر ومطلوبات الإله يقتضي الطاعة في الأمر وفي النهي، فهم مسلمون بالربوبية مشركون في الألوهية، فأراد أن يبين لهم: ﴿ أنمآ إلهكم إله واحد.. ﴾ [فصلت: 6] ليس متعددا، مرة يقول ﴿ إله واحد.. ﴾ [فصلت: 6] وفي سورة الإخلاص قال:
قل هو الله أحد
[الإخلاص: 1] واحد يعني ليس له ثان، وأحد يعني أحد في ذاته غير مركب من أشياء فهي تنفي التجزؤ. وقد اتخذ الكفار آلهة متعددة ليرضوا ما في أنفسهم من عاطفة التدين، وليكون لهم إله معبود بلا منهج وبلا تكاليف، لذلك قلنا: إن من الوسطية في ديننا أنه يؤمن بإله واحد، في حين يوجد من يؤمن بآلهة متعددة، ويوجد من ينكر الإله بالمرة، فجاء الدين الإسلامي وبين أن الإله واحد. وما دام هو إله واحد ﴿ فاستقيموا إليه واستغفروه.. ﴾ [فصلت: 6] استقم يعني: سر على حد الاستقامة لا تميل هنا ولا هناك. قالوا: كان رجل من طيء، اسمه ابن بندر رأى شابا بيته هنا، لكن لا يذهب إليه من الطريق المعتاد المستقيم، إنما يدور في طرقات القرية ليذهب إلى بيته. فعرف من ذلك أن الشاب يقصد بدورانه في الطرقات شيئا مريبا، فقال له: يا هذا استقم إلى بيتك يعني: اذهب إليه من الطريق المستقيم، عندها عرف الشاب أن الرجل فقسه وعرف قصده غير الشريف فارتدع.
كذلك قوله تعالى: ﴿ فاستقيموا إليه.. ﴾ [فصلت: 6] يعني: اقصدوه من طريق الاستقامة، وسمى طريقه الصراط المستقيم، وقد أثبت العلم أن الطريق المستقيم هو أقصر مسافة بين نقطتين، ثم إن الطريق المستقيم قد يكون ضيقا يجبرك على الاستقامة عليه، وقد يكون واسعا يسمح بالميل يمينا ويسارا أوتوستراد. فإن كان واسعا فاستقم فيه أيضا لتقصر على نفسك مسافة الوصول، لأنك حين تميل تزيد المسافة، لذلك قال:
سوآء السبيل
[البقرة: 108] يعني: في وسطه دون ميل، بحيث يكون ما على يمينك مثل ما على شمالك، فمرة قال
اهدنا الصراط المستقيم
[الفاتحة: 6] ومرة قال
سوآء السبيل
[البقرة: 108]. فقوله تعالى: ﴿ فاستقيموا إليه.. ﴾ [فصلت: 6] أي: بداية، فإن أصابتكم غفلة عن المنهج واقترفتم شيئا ﴿ واستغفروه.. ﴾ [فصلت: 6] أي: اطلبوا منه المغفرة. ﴿ وويل للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة.. ﴾ [فصلت: 6-7] لأن الاستغفار طلب محو الشيء السابق، والقاعدة الشرعية تقول: إن درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة. ومثلنا لذلك بواحد يريد أن يرمي لك تفاحة، وواحد يريد أن يرميك بحجر فأيهما أولى، الأولى دفع الحجر، فقال ﴿ واستغفروه.. ﴾ [فصلت: 6] ليتم لكم مسح الذنوب، ولتنشئوا مع الله علاقة جديدة قائمة على الطاعة والاستقامة. كلمة ﴿ وويل.. ﴾ [فصلت: 6] يعني: هلاك ﴿ للمشركين * الذين لا يؤتون الزكاة.. ﴾ [فصلت: 6-7] وهل فرضت الزكاة على مشرك؟ الزكاة لم تكن فرضت حتى على المؤمنين في هذا الوقت. قالوا: المراد بالزكاة هنا تطهير المال في حالة نموه، وكان المشركون يفعلون ذلك بالفعل، لكن يفعلونه من منطق الكرم والسمعة الطيبة، ولم يكن الله في بالهم. لذلك حكي أن المطعم بن عدي كان له قدر يطعم فيه كذا وكذا، حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: