41.21
هم يتعجبون كيف تشهد عليهم جلودهم وهي منهم، والسؤال هنا كان ينبغي أن يكون عن الكيفية: كيف شهدتم علينا لا عن السبب، فالسؤال بهذه الصيغة غير وارد ليدل هذا على التضارب في الكلام. وكان الجواب ﴿ قالوا أنطقنا الله.. ﴾ [فصلت: 21] فالسؤال عن شيء والجواب عن شيء آخر فلو أجابوا عن السؤال: لم شهدتم علينا؟ لقالوا: شهدنا عليكم لأننا أقوى حارس عليك في جميع الأوقات ﴿ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.. ﴾ [فصلت: 21] يعني: الأمر ليس بملكنا، نحن لم نشهد من عندنا، إنما أنطقنا الحق بالحق، ولا حيلة لنا في هذا. ومعنى ﴿ الذي أنطق كل شيء.. ﴾ [فصلت: 21] أن كل شيء في الوجود له لغة خاصة به، لغة يتكلم بها، لغة تدل وتفهم، كما رأينا في قصة سيدنا سليمان لما تكلمت نملة وحذرت قومها، وقالت:
ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
[النمل: 18]. ودل قول النملة على أن للنمل لغة يتفاهمون بها، ودل على يقظتها وعلى عدالتها في الحكم حين قالت:
وهم لا يشعرون
[النمل: 18]. كذلك حديث الهدهد في نفس القصة حين قال:
أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين
[النمل: 22] ثم يتكلم بكلام في صلب العقيدة
وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله..
[النمل: 24] فالهدهد ليس مجرد متكلم بلغة، إنما فاهم لأهم قضايا الإيمان ومسائل التوحيد. إذن: لكل شيء لغة، لكن لا يعرفها إلا من علمه الله وأطلعه على هذه اللغة، وهذا فضل الله يؤتيه من يشاء، لذلك قال سيدنا سليمان
علمنا منطق الطير..
[النمل: 16] ولولا أن الله علمه ما فهم عن الهدهد. كذلك في الجماد له لغة، كما قال تعالى:
إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق
[ص: 18]. لذلك يقول تعالى في إجمال هذه المسألة:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44]. وورد أن الحصى سبح في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن هذه معجزة من معجزاته صلى الله عليه وسلم، وقلنا في تصويب هذه المسألة: أن الحصى مسبح في يد رسول الله كما هو مسبح في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده، هكذا يكون الكلام. بعض العلماء يقول عن هذا التسبيح أنه تسبيح دلالة على خالقها لا تسبيح على الحقيقة، وهذا كلام مخالف لنص القرآن الكريم لأنه لو كان تسبيح دلالة كما تقول فقد فهمته والله يقول:
ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44] إذن: فهو تسبيح على الحقيقة، تسبيح بلغة لا يعلمها إلا خالقها، أو من علمه الله واختصه بمزيد من فضله.
والعجيب في مسألة الهدهد أنه ذكر سببا واحدا لوجوب الإيمان بالله وتوحيده تعالى، فقال:
ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموت والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون
[النمل: 25] فذكر الأمر الخاص به وهو إخراج خبأ الأرض، ومعلوم أن للهدهد منقارا طويلا، يخرج به الدود من تحت سطح التربة ويتغذى عليه. وقوله: ﴿ وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ﴾ [فصلت: 21] يعني: لا تظنوا أن الله خلقكم وترككم هملا، إنما خلقكم لغاية ولا بد لكم من الرجوع إليه، والمثول بين يديه يحاسبكم على النقير والقطمير، والقليل والكثير، ويجازيكم بأعمالكم فلن تنفلتوا منه سبحانه، ستقفون بين يديه للحساب يعدد عليكم نعمه، ويرى من شكرها ومن كفرها.