41.41-42
الكفر هنا بمعنى الستر أي: ستر الإيمان بواجب الوجود، لأن الستر يقتضي مستورا، فما هو المستور في عملية الكفر؟ الكفر يستر مقابله، يستر الإيمان، فكأن الإيمان أمر فطري وهو الأصل والكفر طارئ عليه ليستره، وكأن الكفر بهذا المعنى جند من جنود الإيمان ودليل عليه. وكلمة ﴿ بالذكر.. ﴾ [فصلت: 41] هنا بمعنى القرآن الذي نزل على قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون
[الحجر: 9] ويطلق الذكر أيضا على الكتب السابقة على القرآن:
فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون
[النحل: 43]. وقال تعالى:
ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين
[الأنبياء: 48] ويطلق الذكر ويراد به الصيت والمنزلة.
وإنه
[الزخرف: 44] أي: القرآن
لذكر لك ولقومك..
[الزخرف: 44] وقال سبحانه:
لقد أنزلنآ إليكم كتابا فيه ذكركم..
[الأنبياء: 10]. ويطلق الذكر على تسبيح الله:
إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضآء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة..
[المائدة: 91]. ويطلق الذكر على ذكر الله بالطاعة، وذكر الله للعبد بالفيوضات والمغفرة:
فاذكروني أذكركم..
[البقرة: 152]. وقوله سبحانه: ﴿ وإنه لكتاب عزيز ﴾ [فصلت: 41] كلمة عزيز لها معان منها العزيز أي: النادر الثمين، والعزيز: الغالب الذي لا يغلب. ومنه قوله تعالى:
والله عزيز ذو انتقام
[آل عمران: 4] فالقرآن غالب يعلو ولا يعلى عليه، يأخذ بالقلوب ويستولي عليها، بدليل قولهم:
لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون
[فصلت: 26]. ذلك لأن الذي يسمع كلام القرآن، لا بد أن ينبهر به شريطة أن يستقبله بقلب صاف ووجدان غير جامد، فإن صادف حسن الاستقبال كان له هذا الأثر الذي رأيناه في قصة إسلام سيدنا عمر رضي الله عنه، وكان من ألد خصوم الإسلام إلى اللحظة التي علم فيها بإسلام أخته وزوجها، فجاء إليها ولطمها حتى سال الدم من وجهها، فكان هذا الدم سببا في رقة قلبه رقة غلبت جهله، فلما سمع القرآن منها سمعه هذه المرة بقلب ومواجيد وعاطفة صافية فتأثر به وأسلم. إذن: فالقرآن عزيز غالب، لذلك ورد في الحديث الشريف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى ".
وقال:
" ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه ".
فإذا أردت أن تختار بين أمرين أو توازن بينهما ينبغي أن تكون خالي الذهن تماما وتخرج ما في قلبك من هوى لأيهما، ثم توازن بينهما، فما ارتحت له فامض فيه، لذلك قال تعالى:
ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه..
[الأحزاب: 4]. إذن: هو قلب واحد، إن عمر بالشر كيف يستقبل الخير؟ لابد أن تخرج الشر أولا لأن الشر سيطرد الخير.
يقول تعالى عن تلقي المنافقين والكافرين للقرآن:
ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا..
[محمد: 16] يعني: كأنهم لم يتأثروا به ولم يفهموه، أي: كبرا وعنادا، فرد الله عليهم
قل هو..
[فصلت: 44] أي: القرآن
للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى..
[فصلت: 44]. فالقرآن واحد، لكن أثره مختلف باختلاف المتلقي، فهو هدى وشفاء لأهل الإيمان، وعمى لأهل الكفر والنفاق. إذن: الحق سبحانه يريد منا عدالة الاختيار وعدالة البحث والموازنة بين الأمرين، فإن توفرت هذه العدالة فالقرآن غالب لا محالة، القرآن لا يزاحمه ولا ينافسه شيء إذا استقبل الاستقبال السليم، حتى في الأمور التي يقف فيها العقل تجد الوجدان يصدقها. لذلك قلنا: إن وارد الرحمن لا يطارده وارد الشيطان، وهل عارضت أم موسى وارد الرحمن لما قال لها:
فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني..
[القصص: 7] العقل لا يقبل هذا، لكن يقبله الوجدان الصافي، والذين سمعوا القرآن فلم يتأثروا به ولم يثمر في أنفسهم ثمرته، إنما استمعوه وهم مشغولون بضده. فنحن إذن في حاجة إلى عدالة الاختيار ثم حماية الاختيار، لذلك نقول في الرد على من يدعي أن الإسلام نشر بحد السيف، هذا غير صحيح، فالسيف في تاريخ الإسلام ما جاء ليفرض عقيدة، إنما جاء لحماية الاختيار، وحماية حرية الدين في الإعلان عن نفسه، وحرية العقيدة أمر كفله الإسلام بدليل أنه ترك في بلاد الإسلام ناسا على كفرهم وعلى ديانتهم، وقال: