تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

41.30

قالوا: ربنا الله، هناك لفظا رب وإله. ولكل لفظ منهما مجال ومعنى: فالرب هو الذي يربي ويخلق ويتعهدنا بالنعم والأفضال، ومنه قولنا: نربيه. يعني: نعطيه ما يؤهله لمهمته، فالله رب خلق من عدم وأمد من عدم، وظل يأخذنا بحنان يوضع لبعضنا في بعض، إلى أن نقوى ويشتد ساعدنا، ثم يكلفنا بعد ذلك تكليف الألوهية. إذن: فعطاء الربوبية عطاء عام يعم المؤمن والكافر، والطائع والعاصي. فالله رب الجميع وسع فضله كل خلقه، خلقك وخلق لك مقومات حياتك قبل أن يخلقك، وجعل لك عقلا تميز به وتختار بين البدائل، فإن أحسنت التصرف بعقلك فيما أعطاك من مقومات تأخذ ثمرتها، وإن لم تحسن فأنت الخاسر، إذن: عطاء الربوبية للجميع، والأسباب متاحة للجميع تعطي من يستحق العطاء حتى لو كان كافرا. ولذلك تجد في قصة سيدنا إبراهيم عليه السلام حينما قال:

رب اجعل هذا بلدا آمنا وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر..

[البقرة: 126] إذن: طلب الرزق فقط لمن آمن، فصحح الله له هذه المعلومة، وقال:

ومن كفر..

[البقرة: 126] لأن رزقي لكل خلقي، سواء آمن أو لم يؤمن لأنه خلقي وصنعتي، وأنا الذي استدعيته للوجود، فعلي رزقه وعلي مقومات حياته، هذا عطاء الربوبية. وسيدنا إبراهيم طرق بابه ليلا طارق يريد أن يبيت عنده، فسأله أولا عن دينه، فعلم أنه غير مؤمن، فأغلق الباب في وجهه، فانصرف الرجل، وعاتب الله نبيه إبراهيم، وقال له: يا إبراهيم وسعته في ملكي ولم أقطع عنه رزقي مع كفره بي، وأنت تريد أن تغير دينه في ليلة تستضيفه فيها؟ فأسرع سيدنا إبراهيم خلف الرجل حتى لحق به وأخذه في ضيافته فتعجب الرجل وقال: لقد جئتك فرددتني. فقال له: لكن ربي عاتبني فيك، فقال الرجل: أعاتبك ربك في شأني؟ قال: نعم، قال: فنعم الرب رب يعاتب أنبياءه في أعدائه، ثم قال: أشهد ألا إله إلا الله، وأنك رسول الله. لذلك كثيرا ما نتعجب من عطاء الله الواسع لغير المؤمنين، وأن في أيديهم كل نعيم الدنيا وزخرفها في حين يحرم منها المؤمن، ولا عجب في ذلك لأن هذا عطاء الربوبية، وهؤلاء أحسنوا استغلال الأسباب فأعطتهم، ولو أحسنتم أنتم كذلك لأعطتكم الأسباب. واقرأ قول الله تعالى:

ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون * ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون * وزخرفا..

[الزخرف: 33-35]. وتأمل، ما المعارج؟ هي المصاعد التي لم نعرفها نحن إلا في القرن العشرين، أخبرنا القرآن بها قبل أربعة عشر قرنا، هذه من معجزات القرآن التي ينثرها علينا من حين لآخر.

فقوله: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله.. ﴾ [فصلت: 30] يعني: اعترفوا له سبحانه بالربوبية، وأقروا أنه سبحانه هو الذي خلقنا وربانا وأعطانا وأنعم علينا، ومن العجيب أنه لم يكلفنا إلا بعد أن بلغنا أشدنا، يعني: تركني أربع في الدنيا وأنعم بنعمه خمسة عشر عاما دون أن يكلفني بشيء، لماذا؟ لأنه لا يكلفك إلا بعد تمام تكوينك واكتمال قوتك، لأنه لو كلفك قبل ذلك ثم طرأ عليك تغيير في الخلقة وزيادة في نمو بعض أعضائك لقلت له: يا رب لقد كلفتني ثم حدث لي تغيير في كذا وكذا، ولم أعد صالحا لهذا التكليف. ومتى تبلغ أشدك؟ قالوا: حين تكون صالحا لإنجاب مثلك، عندها يكون اكتمال الخلق وتمام الرجولة، ونحن نلاحظ هذا في الثمار، فالثمرة الناضجة تعطي بذرة ناضجة لو وضعت في الأرض لأنبتت شجرة، خذ مثلا بطيخة قبل نضوجها تجد لبها أبيض وطعمها مائعا، لماذا؟ لأنها لم تنضج بعد ولو زرعت بذرتها لم تنبت. فكأن الله يحرس الثمرة حتى تنضج البذرة، وتصير صالحة لإنبات شجرة جديدة، هذا نسميه استبقاء النوع، وإلا لانقرض النوع ولو نضجت البطيخة وحلا طعمها قبل بذرها لأكلناها وما سألنا في مسألة البذرة والإنبات من جديد، ولما كان هناك بقاء للنوع. ولذلك إذا غفلت عن الثمرة حتى استوت على عودها ولم تقطفها وقعت لك هي على الأرض، وكأنها تقول لك: خذني لأنها ستؤدي مهمة اللذة في الطعم لك، ومهمة إنبات شجرة جديدة من نفس النوع. والخلق على نوعين: خلق أول، وخلق ثان. الأول: خلق أصول الأشياء. والثاني: خلق فروعا من أصول الأشياء لذلك السيدة مريم لما قال لها يوسف النجار بعد أن ظهرت عليها علامات الحمل: يا مريم، أتوجد شجرة بلا بذرة؟ قالت: نعم الشجرة التي أنبتت أول بذرة. هذا هو الخلق الأول كخلق آدم عليه السلام خلق أولا، ومنه تناسل الناس. إذن: التكليف لا يكون إلا بعد سن البلوغ واكتمال الرجولة، والذي يكلفنا هو الله، فالرب خلق ورزق وربى، والله كلف وأمر بالعبادة، فالله هو المعبود يعني: مطاع في أمره ونهيه، وقبل أن يكون مطاعا في أمره ونهيه أعطاك عطاء ربوبية، فكأنه قدم الخير لك أولا قبل أن يأمرك بعبادته، فلا أقل من أن تقدم الخير بأن تطيع من رباك. ولذلك جعل منزلة خاصة للأبوين، وأوصى ببرهما، وحذر من عقوقهما، وجعل عقوق الوالدين من أكبر الكبائر، لماذا؟ قالوا: لأن الله أراد أن يروضك ويعلمك أن تحترم من كان سببا مباشرا في وجودك، ثم بعد ذلك ينقلك إلى احترام سبب وجودك غير المباشر، وهو الله سبحانه لذلك قال:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٤٣