فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر..
[الكهف: 29]. ولأن الإسلام انطلق من حرية الاعتقاد وجعل الدين اختيارا حكم على المرتد بالقتل، والعجيب أن أعداء الإسلام يأخذون هذه المسألة مطعنا في دين الله، ويقولون: إن الإسلام يحارب حرية الاعتقاد ويجبر الناس على اعتناقه. وهذا اتهام باطل، فالمتأمل يجد أن الإسلام يعلن هذا الحكم لمن لم يؤمن بعد، يقول له: انتبه قبل أن تدخل الإسلام، ولاحظ أنك تقتل لو ارتددت عنه، وهذه عقبة في طريق الإسلام تمحص أهله بحيث لا يقبل عليه إلا من اقتنع به واستقر الإسلام في قلبه بلا منازع، فالحكم بقتل المرتد يحمي إقبالك على الاختيار وينبهك، فإما أن تنصرف، وإما أن تعرف أنه الحق فتؤمن به. وقوله تعالى: ﴿ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. ﴾ [فصلت: 42] يعني: لا يأتيه الباطل من أي جهة لذلك حاول المستشرقون أن يتلمسوا في القرآن مأخذا.. وهيهات لهم ذلك.. فوقفوا مثلا عند قوله تعالى:
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم..
[الأنعام: 151] وفي موضع آخر قال سبحانه:
ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم..
[الإسراء: 31]. ورأوا أن في الموضعين تكرارا فقالوا: إذا كان القرآن بليغا فأي الآيتين أبلغ؟ وإن كانت إحداهما بليغة فالأخرى غير بليغة، وهؤلاء يفتقدون الملكة التي تساعدهم على فهم كلام الله واستقبال هديه، ولو نظروا إلى السياق لوجدوا أن الآيتين مختلفتان موضوعا، فليس فيهما تكرار وكل منهما بليغة في التعبير عن موضوعها. فقوله تعالى:
ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم..
[الأنعام: 151] فكأن الفقر موجود عنده، فهو مشغول أولا برزق نفسه قبل أن يشغل برزق أولاده، لذلك ذيلت الآية بقوله سبحانه:
نحن نرزقكم وإياهم..
[الأنعام: 151] أما في الأخرى فقال
خشية إملاق..
[الإسراء: 31] يعني: الفقر غير موجود لكن يخشاه حين يأتيه الولد، فطمأنه الله أن الولد سيأتي ومعه رزقه، فقال:
نحن نرزقهم وإياكم..
[الإسراء: 31] إذن: فكل آية بليغة في موضعها. كذلك وقفوا عند قوله تعالى في سورة البقرة:
واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها شفعة ولا يؤخذ منها عدل ولا هم ينصرون
[البقرة: 48] وفي الآية الأخرى:
واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون
[البقرة: 123]. النظرة المتعجلة لا ترى فرقا بين الآيتين، لكن المتأمل وصاحب الملكة اللغوية يلحظ الفرق، فالآيتان تتحدثان عن نفسين: نفس جازية، ونفس مجزي عنها. النفس المجزي عنها تعترف بذنبها وتقول: خذوا العدل واتركوني، فنقول لها: لا، فتذهب إلى من هو أكبر منها ليشفع لها. إذن: عرض العدل أولا، فلما لم ينفعها عرضت الشفاعة. أما النفس الجازية وهي الشفيع، أول ما يقف بين يدي الله تعالى يقول: يا رب أنا أشفع في فلان، فإذا لم تقبل شفاعتي فيه فخذ العدل مني، إذن: فكل آية بليغة في موضعها، لكن ماذا نفعل مع هؤلاء الذين لا يفهمون عن الله ولا يحسنون التلقي، ومع ذلك يتهمون كلام الله؟! يقولون: ربكم قال كذا وكذا، نعم هو ربنا والحمد لله، وكنا نحب أن يكون ربكم أيضا. ومن الآيات التي وقفوا عندها أيضا قوله تعالى:
يريدون ليطفئوا نور الله بأفوههم والله متم نوره ولو كره الكفرون
[الصف: 8] يقولون: أين ظهور الإسلام على الدين كله وبعد أربعة عشر قرنا من الزمان ما يزال في العالم يهود وملاحدة ومسيحيون وغير ذلك من الديانات. وهذا القول أيضا يدل على عدم فهمهم لآداء القرآن الكريم ومعانيه. ومعنى
ليظهره على الدين كله..
[الصف: 9] لا تعني أن يصبح الناس جميعا مسلمين، لأن معنى الظهور هنا ظهور حجة يعني: يعلن حجته القوية، وبعد ذلك لهم الحرية يؤمن من يؤمن، ويكفر من يكفر، هذا موضوع آخر. ولو كنت تقرأ القرآن ببصيرة لعرفت أن ظهور الإسلام على الأديان الأخرى سيكون مع بقاء الشرك والكفر بدليل لفظ الآية، فمرة قال سبحانه: