تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس على الضعفآء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم * ولا على الذين إذا مآ أتوك لتحملهم قلت لا أجد مآ أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون

[التوبة: 91-92]. تبين هذه الآيات أن الله تعالى أشاع الخير بين كل الناس، فالواجد عليه أن يعطي، وغير الواجد يكفيه أن ينصح الواجد وأن يحثه على العطاء، فإذا لم يستطع لا هذا ولا ذاك يكفيه أن يكون محبا في نفسه للعطاء يشتاق إليه، بل ويبكي أن فاتته الفرصة. وهؤلاء صدقتهم هذا الشوق وهذا البكاء. وهكذا لم يحرم الخالق سبحانه أحدا من خيره، ولم يغلق الباب في وجه أحد. هناك قضية تتعلق بالدعوة إلى الله، هي أن الإنسان منا قد يكون عاصيا لربه في ناحية ما، فهل يمنعه هذا العصيان أن يكون داعية إلى الله؟ قالوا: ينبغي ألا تمنعك المعصية عن الدعوة، فلعل الذي تدعوه يفعل ما لم تفعله أنت، ولعل هذه عملية جبر لما فيك من نقص. يحكى أن رجلا كان يطوف بالبيت، فسمع آخر يقول: اللهم إنك تعلم أني عاصيك ولكني أحب من يطيعك، فاجعل اللهم حبي لمن أطاعك شافعا في معصيتي. قالوا: حتى الذي يتكاسل عن الصلاة لا يمنعه ذلك من أن يدعو غيره إلى الصلاة، لأنها خير يشيعه في الناس لن يحرم أجره، فكل من أشاع خيرا له عمولة عند الله، وهكذا لا يخلو مخلوق من أن يصيبه فضل الله الواسع، ولا يخلو مخلوق من خصلة خير لذاته أو لغيره، وهذه الإشاعة للخير في ذاتها دعوة إلى الله. وقوله: ﴿ وعمل صالحا.. ﴾ [فصلت: 33] يعني: دعا إلى الله بالقول ثم بالفعل، ودائما ما يقرن القرآن بين القول والعمل، وعرفنا أن قدوة الفعل أعظم أثرا في النفوس من قدوة الكلام، وليس من الصواب أن تدعو الناس إلى شيء وأنت عنه بنجوى، يقول تعالى:

أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتب أفلا تعقلون

[البقرة: 44]. ويقول سبحانه في سورة العصر:

والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 1-3]. والتواصي تفاعل بين الناس، بحيث يوصي كل منهم الآخر، فالطائع يوصي العاصي، وكل واحد منا موص في موقف، وموصى في موقف آخر، لأن الانفعال النفسي بطاعة أو بمعصية لا يدوم، فساعة تنفعل نفسك للطاعة أوص من يعصي، وساعة تنفعل نفسك للمعصية ستجد من يوصيك وهكذا، لأن النفس ليس لها سيال دائم، وكل منا يجبر ما عند صاحبه، هذا معنى وتواصوا أي: فيما بينكم

بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 3]. الحق سبحانه يقسم والعصر يعني: والزمن المعدود، يقسم على ماذا؟

إن الإنسان لفى خسر

[العصر: 2] يعني: جنس الإنسان كله في خسر وضياع وضلال لا يستثنى من ذلك

إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر

[العصر: 3]. كأن الحق سبحانه يقول لنا: استقرئوا الزمن وتأملوا التاريخ، انظروا إلى الحضارات الغابرة من قديم الزمان، أين هي؟ ماذا بقي منها؟ حضارة الفراعنة في مصر وما وصلت إليه من تقدم في علوم لم نتوصل إلى أسرارها حتى الآن مع أننا في عصر التقدم العلمي، حتى الأمريكان عجزوا أن يصلوا إلى أسرارها. ومع ذلك بادت وذهبت كل هذه العلوم، لأن أصحابها لم يجعلوا لها صيانة تحميها وتضمن لها البقاء، وكان طغيان القوم سبب هلاكهم

وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد

[الفجر: 10-14]. بل هناك حضارات أعظم من حضارة الفراعنة، لكنها مطمورة تحت التراب لا نعرف عنها شيئا، حتى القرآن لما أخبر عنها أعطانا صورة مجملة عبرت عن هذه العظمة

ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٥٦