تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..

[البقرة: 143]. فشهادتنا على الأمم دليل على أن الخير باق فينا ولن ينقطع أبدا. وقد حثنا رسولنا صلى الله عليه وسلم على حمل هذه الأمانة ورغبنا فيها حين قال صلى الله عليه وسلم:

" نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، وأداها إلى من لم يسمعها، فرب مبلغ أوعى من سامع ".

والدعوة إلى الله مجال واسع يكون بالقول وبالفعل وبالقدوة الحسنة، يكون ببيان العقائد والعبادات والأحكام للناس بأسلوب شيق ممتع جذاب، لا ينفر الناس، ولا يذهب بهم إلى يأس أو قنوط من رحمة الله. الدعوة إلى الله فن، اقرأ قوله تعالى يخاطب نبيه صلى الله عليه وسلم:

ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك..

[آل عمران: 159]. أين دعاتنا من قوله تعالى:

ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجدلهم بالتي هي أحسن..

[النحل: 125]. لا بد أن نعلم أن الدعوة إلى الله ليست مهمة علماء الدين المختصين فحسب، إنما مهمة كل مسلم في كل زمان وفي كل مكان، كل في مجال عمله يستطيع أن يكون داعية، نعم داعية بفعله والتزامه وتفانيه وإخلاصه. لقد أجمع علماء الأمة على أن الإسلام ما انتشر بحد السيف، وما انتشر بالقوة بقدر ما انتشر بسيرة المسلمين الطيبة، وما تحلوا به من تسامح وحب للآخرين، ولنا فيهم قدوة.

الدعوة إلى الله مهمة كل مسلم ذاق حلاوة الإيمان ولذة التكاليف وأحب للناس ما يحب لنفسه من الخير فينقله إليهم، والحق سبحانه ساعة يكلفنا بالخير لا يترك أحدا ولا يحرم أحدا أن يكون له نصيب من هذا الخير، ومن ذلك الآن نجد مثلا المشكلة الاقتصادية والحرب على الاقتصاد وعلى الرغيف وعلى المياه، كيف تحل هذه المشكلات في المنظور الإسلامي؟ الحق سبحانه وتعالى دائما يحنن الواجد على المعدم، وبعد أن فرض الزكاة في مال الأغنياء للفقراء ترك الباب مفتوحا لأريحية الغني وحبه للعطاء، فجعل الصدقة نفلا وزيادة لمن ذاق حلاوة التكليف. لذلك قال تعالى مرة:

والذين في أمولهم حق معلوم * للسآئل والمحروم

[المعارج: 24-25] والمراد بالحق المعلوم الزكاة المفروضة، وقال في الذاريات:

وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم

[الذاريات: 19] هكذا بإطلاق الكلمة، والمراد الزيادة على الزكاة المفروضة، وهذه نوافل من فعلها أخذ ثوابها، ومن تركها فلا شيء عليه. قال تعالى في سورة الذاريات وهو يبين لنا سبحانه منزلة الإحسان:

إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين

[الذاريات: 15-16] ولم يقل مؤمنين، فما هي درجة الإحسان؟ قالوا: المحسن هو الذي يلزم نفسه بأمر لم يفرض عليه لكن من جنس ما فرض الله عليه، إذن: فدرجة الإحسان أعلى من درجة الإيمان، فالفرض في الصلاة خمس صلوات، المحسن يؤديها ويزيد عليها، وإن كان مقدار الزكاة الواجبة في المال 2.5% يخرجها 5% وهكذا في كل أبواب الخير. وفي آيات سورة الذاريات تفصيل لهذه الزيادة التي يتطوع بها أهل الإحسان. قال تعالى:

إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين * كانوا قليلا من الليل ما يهجعون

[الذاريات: 15-17] وهل فرض الله عليك قيام الليل حتى أنك لا تهجع منه إلا قليلا؟ لا بل لك أن تصلي العشاء وتنام حتى الفجر. أما المحسن فله مع الليل شأن آخر، إنه ذاق حلاوة السهر لله والقيام لله، وشعر بالفيوضات تتنزل عليه، ورحمة الله تغشاه، فعشق العبادة ووجد فيها لذته وراحته، كذلك

وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم

[الذاريات: 18-19] ولم يقل هنا حق معلوم، لأن الحق المعلوم هو الزكاة، أما الحق المطلق هنا فيراد به الصدقة وهي متروكة لاختلاف حب الناس ودرجاتهم وأريحيتهم في العطاء. وإذا أحب المؤمن الطاعة آثرها على أي شيء آخر، لذلك لو أجريت إحصاء للحجاج لوجدت أن العوادين ثلاثة أضعاف البادئين، وما ذلك إلا لعشق الناس لهذه الفريضة. لذلك جعل الله في العباد استطراقا إحسانيا، كل حسب مرتبته فيه، والقرآن الكريم يعطينا صورة للمؤمن المحب للبذل مع أنه لا يجد شيئا، قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٥٥