[الفجر: 6-8]. نعم هذه حضارات كانت في يوم من الأيام ملء السمع والبصر، لكنها لم تملك أسباب البقاء مع هذا التقدم الذي عاشت فيه، ويكفي أن الله قال عنها
لم يخلق مثلها في البلاد
[الفجر: 8]، فكيف كانت إذن؟ وصدق شوقي حين قال:
والعلم إن لم تكتنفه شمائل
تعليه كان مطية الإخفاق
إذن: العمل حين تأخذه من الباقي يبقى، وحين تأخذه من الفاني يفنى. والذي يبقى هو القيم، فكما أخذنا عطاء الله في المادة ينبغي أن نأخذ عطاءه في القيم، فهي الصيانة التي ستبقي الأعمال وتجعلها خالدة وتجعل لها معنى وقيمة. وقوله تعالى: ﴿ وقال إنني من المسلمين ﴾ [فصلت: 33] هذا إعلان يعلنه المسلم ويفخر به، وسام على صدره، أنا مسلم، وإسلامي هو المنطلق الذي من خلاله تكون حركتي في الحياة، وهذه في حد ذاتها دعوة إلى الله ونشر لدين الله وإعلاء لكلمة الله حين لا تنشغل بنفسك إنما تنشغل بدينك. فإن أنجزت عملا تنسبه إلى دين الله، تقول: لأن الله أمرني، فترفع دين الله عند الناس ولا تهتم بذاتك الفاعلة، وحين ترفع دين الله ثق أنه رافعك معه. إذن: فمن صفات المؤمن أن ينسب خيره وصلاحه لدينه وإسلامه. لذلك نقف كثيرا عند قول قارون لما أعطاه الله المال والجاه والسلطان، فقال:
إنمآ أوتيته على علم عندي..
[القصص: 78] فرد الله عليه: ما دمت أوتيته على علم عندك فاحفظه بعلمك، وكانت النتيجة
فخسفنا به وبداره الأرض..
[القصص: 81] فحين تصل إلى ابتكار أو اختراع أو صلاح في الكون فاجعله من منطلق الدين والمنهج، انسبه إلى دينك. وتذكر الحديث الشريف:
" ومن كانت الآخرة همه جمع الله عليه شمله، وجعل غناه في قلبه، وأتته الدنيا وهي راغمة ".
لذلك أتعجب حينما أسمع أسماء رنانة لنواد وجمعيات خيرية يقوم عليها الأعيان ووجهاء القوم وسيدات المجتمع، صحيح نراهم يقدمون المساعدات ويفعلون الكثير من الخير ووجوه البر، لكن حين تسألهم عن المنطلق الذي يعملون من خلاله تسمع مصطلحات أخرى مثل الماسونية. ولما عرفوا أن أصلها يهودي قالوا الروتاري، أنا أفعل هذا لأني روتاري، سبحان الله قل: لأنني مسلم، لأن إسلامي أمرني بذلك، لماذا لا ترفع نفسك برفعة دينك، ولماذا تفوت على نفسك ثواب هذا الخير في الآخرة. قلنا: إن العمل إما أن يكون لله، وإما أن يكون للناس، العمل لله شرطه الإخلاص وجزاؤك على الله في الآخرة، أما العمل للناس فيعطيك منزلة عندهم ووجاهة ورفعة، هذا جزاؤك وقد أخذته في الدنيا فلا حظ لك في ثواب الآخرة، فالإنسان يطلب أجره ممن عمل له. لذلك ما سئلنا عن علماء خدموا البشرية باختراعاتهم وإنجازاتهم وابتكاراتهم: هل لهم نصيب في الآخرة؟ نقول: لا ليس لهم نصيب لأنهم فعلوا للناس وللبشرية ولتقدم المجتمع، وأخذوا أجورهم صيتا وسمعة وشهرة وتخليدا لذكراهم.. إلخ. أما الله فلم يكن أبدا على بالهم حين فعلوا هذه الأشياء، واقرأوا قوله تعالى في شأن هؤلاء:
وقدمنآ إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هبآء منثورا
[الفرقان: 23]. وفي موضع آخر قال:
والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن مآء حتى إذا جآءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفه حسابه والله سريع الحساب
[النور: 39]. هكذا أعمال الكافرين في الآخرة كالسراب تحسبه شيئا، فإذا ما ذهبت إليه لم تجده، وليت أمرهم ينتهي عند هذا الحد إنما تفاجئهم الحقيقة التي طالما أنكروها في الدنيا
ووجد الله عنده..
[النور: 39] نعم الله الذي أنكره أو كفر به يوقفه ويحاسبه: أنت فعلت: ليقال وقد قيل فلا أجر لك عندي، ويبقى لك جزاء كفرك وعنادك. إذن: نقول: ساعة تعلن أنك تعمل وتبتكر من منطلق إسلامك. ساعة تقول عملت لأنني مسلم، تعلي شأن الإسلام وتلفت غير المسلمين إلى جمال هذا الدين، وأنت في ذلك داعية إلى الله، أنت على نهج نبيك محمد صلى الله عليه وسلم، فإن قابلتك بعض الصعاب فاصبر، لأن رسولك أوذي في سبيل دعوته فصبر. فالذي يحمل أمانة الدعوة ويعلنها: أنا مسلم، وإسلامي هو الضابط لكل حركاتي في الحياة ويصيبه سوء يعلم أنه أخذ طرفا من ميراث النبوة، فما من نبي إلا أوذي وكان له أعداء، فلا بد لحملة هذه المسئولية أن يكون لهم أعداء، وأن يشتموا وأن تكال لهم التهم، هذا أمر طبيعي في مسيرة الدعوة إلى الله. يقول تعالى: