تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فيقول: لا كرب وأنت رب، أنا لي رب قوي قادر سيفرج همي ويزيل كربي. وهذا حال المؤمن حين يحزبه أمر وتضيق به أسبابه يلجأ إلى المسبب سبحانه، فيأتيه الإلهام من الله أن اصبر واحتسب، وربما كانت المصيبة امتحانا من الله، أو كانت تكفيرا لذنب بدر مني فعاقبني الله به في الدنيا وعافاني منه في الآخرة، وهذه علامة حب الله للعبد أن يعجل له العقوبة في الدنيا، ويغفرها له في الآخرة. لذلك كان الكفار يفرحون حين تصيب المؤمنين مصيبة، فعلم الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يقول:

قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا

[التوبة: 51] فأنتم تفرحون إن نزلت بنا مصيبة، ونحن كذلك نفرح بها لأنها من الله، والمصيبة للمؤمن إما يكفر الله بها من خطاياه، وإما يرفعه بقدرها درجات. وعجيب أن نرى البعض إذا أصابته مصيبة أو نزل به ما يكره لا يعالج أسبابها، ولا يفكر في تفاديها بعد ذلك، إنما يلجأ إلى نسيانها ويذهب إلى شرب المسكر الذي يساعده على النسيان. وهذا خطأ فادح، فالنسيان لا يحل مشكلة، إنما يحلها التفكير في أسبابها ومعالجة هذه الأسباب، فالمخدرات والمسكرات تذهب بعقلك وتفسده في وقت أنت في أشد الحاجة إليه، حين يمر الإنسان منا بمشكلة يحتاج إلى مزيد فكر، فكيف تذهب بعقلك في وقت أنت في أمس الحاجة إليه؟ ألا ترى أنك تستعين بغيرك وتستشيره في حل مشاكلك حينما تضيق بك الأسباب؟ إذن: انظر إلى المصيبة، ما سببها إن كان لك دخل فيه، وهي نتيجة تصرف خاطئ منك فأنت الملوم، وعليك أن تعدل من تصرفاتك وتعمل حسابا للعواقب، وهذه أول خطوة في طريق الإصلاح، كالطالب يذهب لمعرفة النتيجة آخر العام فيقولون له: أنت راسب فتعيده الصدمة إلى صوابه، ويصيح بأعلى صوته هذه الصيحة العقلية الواعية: أنا السبب، أنا المهمل، أنا أستحق. أما إن كانت المصيبة لا دخل لك فيها كالطالب الذي ذاكر دروسه واجتهد، لكن جاءه وقت الامتحان دوار أو أصابه نسيان فلم يوفق، فهذا قدر الله لا بد أن له حكمة، فهو شر في طياته خير، هو ابتلاء من الله ينبغي أن نرضى به، وأن نتلمس له حكمة. فنحن دائما نحوم حولها، وصلنا أو لم نصل، قل ربما كنت مغرورا فأراد الله أن يكسر في عنفوان الغرور، ربما لو وفقت كنت سأحسد، أو ربما لم آت بالمجموع المطلوب الذي كنت أرجوه، وهذه كلها نماذج يؤيدها واقع الحياة.

والفعل لا يؤخذ لذاته إنما بمصاحبة الفاعل، من هو؟ قلنا: لو دخل عليك ولدك يسيل دمه لا يشغلك الدم بقدر ما يشغلك من الفاعل؟ لذلك تسأله أولا: من فعل بك هذا؟ فإن قال لك عمي مثلا، تهدأ ثورتك، وتقول له: لا بد أنك فعلت شيئا يستحق العقاب فعاقبك. أما إن قال لك: فلان، تغضب وتقيم الدنيا ولا تقعدها. إذن: نقول خذ الفعل بمصاحبة فاعله، فإن كان من الله فارض وابحث عن حكمته، ولا بد أنك ستتوصل إليها وستحمد الله. كن أمام الشدائد كالضرس ثابتا في مكانه يمضغ لا يعنيه حلوا ولا مرا، فإن كان البلاء في نفسه يتأدب، وإن كان في غيره يتعلم، فلا بد أن لله حكمة. سمعتم قصة الرجل الصيني الذي كان يتأمل الأحداث ويرى الحكمة فيها، قالوا: كان هذا الرجل محبا لتربية الخيول فكانت عنده مزرعة خيول، وفي يوم شرد منها حصان من أجود الأنواع، كانوا يسمونه الطلوقة وضل في المزارع، فجاءه الناس يواسونه. فقال لهم: وما أدراكم لعل في هذا الخير، ويكفي أنني لست سببا في فقد هذا الحصان؟ وبعد أيام جاء الحصان يصطحب سربا من الخيول حتى دخل المزرعة، فجاءه بعض الجيران يهنئونه، فقال لهم: وما أدراكم أن في هذا نعمة؟ ولم يمض وقت طويل حتى ذهب ابنه يركب هذا الحصان، وكان مغرما به فأوقعه الحصان فكسر رجله، فجاءه الناس يواسونه فقال لهم: لعل في ذلك خيرا، وفعلا جاء المسئول عن التجنيد فوجد الشاب قد كسرت رجله فتركه. إذن: علينا أن نفهم أن لله في أقداره حكما، عرفها من عرفها، وجهلها من جهلها. لذلك نقول: إياك أن تأخذ شيئا بالإكراه لأنك لا تدري أن الخير لك، وتذكر دائما:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٥٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٥٠