تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنا ألقى متى وأين أحب

فربك لا ينتظرك أن تأتيه، إنما يدعوك لزيارته، يقبل عليك قبل أن تقبل عليه، ألم يقل في الحديث القدسي الشريف:

" من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ".

إذن: فالزمام في يدك أنت، ونعم الرب رب يعامل عباده هذه المعاملة، ويحسن إليهم كل هذا الإحسان. ومن كرمه سبحانه أن يثيب العبد على كل حركة خير في دنياه، لأن هذه الحركة مطلوبة للإيمان، لذلك يقول تعالى في سورة الجمعة:

يأيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع

[الجمعة: 9]. وبعد الصلاة قال:

فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله

[الجمعة: 10] فأخذك من عمل وأعادك إلى عمل، لأن العمل في ذاته طاعة، والمؤمن لا بد أن يسهم في حركة الحياة مساهمة إيجابية بناءة. الإسلام إذن لا يقتصر على هذه الأركان الخمس، بل يمتد إلى كل حركة من حركات الحياة، فأنت تؤسس بيتا مثلا وتقيمه على أعمدة، لكن بعد ذلك تقسمه إلى: حجرة نوم، وحجرة للسفرة، وحجرة للصالون، وحجرة للمطبخ وهكذا. والإسلام يهدف إلى سلامة حركة الحياة وخلوها من الصراع، ومن التصادم، يريد أن تتساند حركة الجماعة لا تتعاند، لا يريد واحدا يبني والآخر يهدم، بل كلنا يبني ولا أحد يهدم، فالحق سبحانه أعطانا هذا الكون الذي نعيش فيه وهو على حالة الصلاح وعلى هيئة الجمال والتناسق، وأوصانا أن نحافظ عليه، وأن نزيد في صلاحه، وعلى الأقل نتركه على صلاحه ولا نفسده.

وعلمنا حين نصلح أن نصلح بحركة محسوبة العواقب، وألا ندخل في شيء لا نعرف الخروج منه، وألا تغرنا ظواهر الأشياء، هذه صفات العقلاء الذين يتصرفون في الأمور بحكمة، ويزنون الخير والشر فيقبلون على أسباب الخير وينصرفون عن أسباب الشر. ونضرب مثلا في عصرنا الحالي بدودة القطن التي كانت تعبث بغالب ثروة مصر من هذا المحصول الهام، إلى أن اخترع العلماء مبيدا حشريا لها سموه ال D.D.T فتسابق الناس إلى استخدامه، وظنوا أنه سيقضي على الدودة بلا رجعة، وأن المشكلة قد انتهت، وبعد عدة سنوات أخذت الدودة حصانة من هذا السم، وأصبحت كما نقول كييفة D.D.T وبقيت الدودة كما هي، وبقيت معها آثار جانبية أصابت الماء والزرع والتربة ولوثت كل شيء في حياتنا، وها نحن الآن نعاني أشد المعاناة بسبب المبيدات الحشرية. لذلك الحق سبحانه وتعالى يحذرنا من رعونة الابتكار، ومن الاغترار بالخير الظاهري دون حساب للعواقب، فإياك أن تدخل في أمر يعييك الخروج منه، تأمل قول الله تعالى وهو يمتن على عباده ببعض نعمه عليهم:

والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون

[النحل: 8]. نعم، كنا لا نعرف من وسائل النقل والركوب إلا الخيل والبغال والحمير، ثم اخترع الإنسان بعد ذلك ما لم يكن يعلمه من السيارات والطائرات والصواريخ، وهذه الوسائل المستخدمة لا شك أنها خدمت الإنسان ويسرت عليه، لكن مع ذلك كان لها أضرار ومعاطب لم تكن في حسبان من اخترعها. عندما ظهرت السيارات كنا نذهب بها إلى دمياط، ولم تكن الطرق مرصوفة كما هي الآن، فكان السائق ينطلق بها بسرعة على الطريق الترابي فتثير الغبار خلفها بشدة، غبار يؤذي الناس ويؤذي المزروعات، فضلا عن عادم الوقود وما يسببه من أضرار للجهاز التنفسي. ثم كانت تحدث كثيرا من التصادمات، وينتج عنها قتلى ومصابون تترك في المجتمع مآسي، وإذا انتهى البنزين منها تقف مكانها لا تتحرك؟ فإذا ما قارنت هذه الوسيلة بالوسائل الطبيعية التي خلقها الله وجدنا خلق الله أفضل وأسلم، فالجمل أو الحمار يوصلك وينقل لك متاعك دون أن يسبب لك هذه المعاطب، ففضلاته سماد للتربة، وإذا جاع لا يتوقف إنما يكمل بك المشوار، ثم هل رأيتم مثلا جملين اصطدم أحدهما بالآخر. إذن: علينا قبل أن نخترع شيئا أن نحسب عواقبه، وغلبة الخير فيه على الشر، والنفع على الضرر. ثم يبين الحق سبحانه جزاء هؤلاء المؤمنين الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، ما جزاؤهم؟ ﴿ تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ﴾ [فصلت: 30] نعم ملائكة الله في السماء هذه المخلوقات النورانية التي لا عمل لها إلا تسبيح الله، فلا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، فحين تنزل بالمؤمن شدة أو يصيبه مكروه تتنزل عليه هذه الملائكة تثبته فيعود إلى ما يجب أن يعود إليه من الصبر.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٤٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٤٩