أما الركن الدائم الذي لا يسقط عن المؤمن إلا في حالة فقدان العقل فهو الصلاة، فهي خمس صلوات في اليوم والليلة يراد بها دوام الحضور في معية الله، فهي تختلف في دوامها عن باقي الفروض، فالزكاة مرتبطة بالمحصول أو بدورة المال السنوية، والصوم مرتبط بشهر واحد في السنة هو رمضان، والحج مرة واحدة في العمر. وكون الصلاة خمس مرات في اليوم والليلة رحمة من الله بعباده، فأنت صنعة الله ويستدعيك إلى حضرته تعالى خمس مرات ليصلح ما فسد فيك، وما بالك بصنعة تعرض على صانعها خمس مرات كل يوم وليلة؟ وإذا كان المهندس مثلا يصلح الآلة بقطعة سلك أو قطعة غيار، فكذلك ربك يصلحك، ولكم المهندس مادة يصلح بالمادة، والله غيب يصلحك بالغيب، فلا تتعب نفسك في بحث هذه المسألة ودعها لله، فقط عليك أن تعرض نفسك عليه سبحانه في الخمس صلوات في أوقاتها، وأن تتم لها ركوعها وسجودها وشروطها. ولا شك أنك ستلحظ هذا الإصلاح في نفسك، وفي روحك، وفي مادتك، وفي مالك، وفي أهلك، ستحس أن للصلاة أثرا في حياتك وراحة في بدنك، لذلك كان سيدنا رسول الله يقول لبلال:
" أرحنا بها يا بلال "
نعم أرحنا بها، ولا أرحنا منها. ولأهمية الصلاة في حياة المسلم جعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم الاستقامة وعنوانا لها، واقرأ إن شئت قوله تعالى:
إن الصلاة تنهى عن الفحشآء والمنكر
[العنكبوت: 45]. وفي الحديث الشريف:
" أول ما يحاسب العبد عليه يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله ".
لذلك كان للصلاة هذه المنزلة الخاصة، فأنت ترى الفقير لا زكاة عليه ولا حج، وترى المريض لا يصوم، على خلاف الصلاة التي تلازم المسلم في صحته ومرضه، في غناه وفي فقره، في سفره وفي إقامته، فقط الجنون هو الذي يرفع عن صاحبه الصلاة. إذن: فهي الركن الملازم لك، ومن هنا كان للصلاة خصوصية في فرضيتها، فكل العبادات فرضت بالوحي إلا الصلاة فقد فرضت على سيدنا رسول الله بالمباشرة في رحلة الإسراء والمعراج، وهذا يدل على أهميتها بين باقي العبادات. وسبق أن أوضحنا أن الرئيس في العمل قد يرسل لك ورقة أو يحدثك في التليفون في أمر من الأمور، لكن إن كان الأمر ذا أهمية وخصوصية استدعاك إلى مكتبه ليكلمك مباشرة، وهكذا كانت الصلاة فقد أخذت قيمتها من هذه المباشرة حين فرضيتها.
ثم إن الصلاة ركن يجمع باقي الأركان ففيها الشهادتان، والشهادة التي هي قمة الإيمان والعقيدة يكفي أن يقولها المسلم ولو مرة واحدة، أما في الصلاة فيقولها عدة مرات، وفيها صيام أبلغ من صيام رمضان فأنت في رمضان تصوم عن الطعام والشراب والمفطرات، أما في الصلاة فأنت تصوم عن أكثر من ذلك، تصوم عن الحركة وتصوم عن الكلام. وفيها حج لأنك لا تصلي إلا إذا اتجهت بوجهك ناحية بيت الله الحرام وتمثلته أمامك، كأنك تنظر إليه. وفي الصلاة زكاة لأنك تضحي في سبيلها بما هو أغلى من المال وهو الوقت. لذلك بين سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الفرق بين المؤمن والكافر الصلاة، فقال:
" العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر "
فإذا دعاك ربك إلى الصلاة فلم تجب فأنت عاص، أرأيت رئيسك في العمل إذا دعاك إلى مكتبه فلم تلب، ماذا يحدث؟ ومن عظمة هذه الفريضة أنها لقاء مع الله، لك أنت أيها العبد الحرية التامة فيه وتملك كل عناصره، فأنت تحدد اللقاء مكانه وزمانه، وماذا تقول فيه، ومتى تنهي هذا اللقاء، فقط تسمع النداء فتذهب وتتوضأ، ترفع يديك إلى السماء: الله أكبر. أنت إذن في حضرة ربك، وفي رحاب خالقك، أنت معه على خط مباشر، ليس بينك وبينه حاجب ولا دونه حراس ولا واسطة. لذلك يقول بعض الصالحين:
حسب نفسي عزا بأني عبد
يحتفي بي بلا مواعيد رب
هو في قدسه الأعز ولكن