الصراط المستقيم
[الفاتحة: 6] وفي موضع آخر قال
سوآء السبيل
[البقرة: 108] يعني: في وسطه دون انحراف. فإذا كانت الغاية بعيدة احتاجت منك للوصول إليها إلى الإسراع في الحركة لتدرك ما تريد، فما بالك بمن كانت غايته الجنة؟ لا شك أنه يسرع إليها ولا يدخر في سبيل الوصول إليها وسعا. لذلك نقول: لا ينبغي للمؤمن أن يكره الموت لأنه سيوصله إلى غايته، إنما يكرهه إن كان عمله غير صالح، نعم يكره أن يلقى الله وهو على غير الصلاح. فعند ظهور النتيجة مثلا ترى الطالب المجتهد يسرع إليها، لماذا؟ لأنه مطمئن إليها، أما الكسول فتراه بطيئا غير مهتم. لذلك ربنا تبارك وتعالى يعلمنا:
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموت والأرض أعدت للمتقين
[آل عمران: 133]. وقال في وصف المؤمنين:
إنهم كانوا يسارعون في الخيرات
[الأنبياء: 90] والمعنى: إياك أن تشغلك دنياك، أو تقيد حركتك إلى الآخرة، بل سارع اجر في اتجاهها، لأنك لا تعرف كم تقطع من الطريق قبل أن يدركك الموت. ومن عدالته سبحانه مع عبده أن أخذ لنفسه عمر العبد طولا، لكن ترك له بعدين آخرين هما العرض والعمق، كيف؟ قالوا: عمرك من حيث الزمن طولا لا يعلمه إلا الله، ولا يملك نهايته إلا الله وحده، لكن ترك لك أن تمد في العرض كما شئت، فيمكنك أن تستثمر اللحظة التي تعيشها وتوسع دائرة الخير فيها، وبذلك يكون العرض أكبر من الطول فليست العبرة بطول العمر، ولكن بقدر العمل الصالح فيه. فمن الناس من يعمل في العمر القصير أعمالا جليلة لا يعملها صاحب العمر الطويل، لذلك لما وصف الله لنا الجنة قال:
وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموت والأرض أعدت للمتقين
[آل عمران: 133]. فذكر العرض، وإذا كان عرضها السماوات والأرض، فما بالك بطولها؟ ثم أعطاك بعدا آخر هو العمق، والعمق في العمر يكون للإنسان بعد موته وانقطاع عمله في الدنيا، وذلك بأن يبقى أثره خيره من بعده ممتدا في عمق الزمان. والحق سبحانه حين يأمرنا بالسير على الصراط المستقيم، وحين يأمرنا بالمسارعة في الخيرات إنما يريد لنا أيسر السبل التي توصلنا إلى أشرف الغايات بأقل مجهود، ومعلوم عند علماء الهندسة أن الخط المستقيم هو أقرب طريق وأقصر مسافة بين نقطتين. فالله لا يريد منا حركات طويلة بلا جدوى، وفي نفس الوقت يأمرنا أن نسارع ليظل لدينا النشاط اللازم للوصول. لذلك قال تعالى في أول سورة الكهف:
الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا * قيما..
[الكهف: 1-2]. والاستقامة التي يريدها الله لنا لها أركان بينها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:
" بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا، رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا ".
وإياك أن تظن أن الدين في هذه الأركان الخمسة فحسب، لا، هذه هي القواعد والأسس التي يقوم عليها بناء الدين، أما الدين تفصيلا فيتغلغل في كل حركة من حركات الحياة. وهذه المسألة واضحة في الحديث الشريف:
" الإيمان بضع وستون شعبة أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان ".
فالأركان ليست هي كل الإسلام بل هي أسسه وقواعده، فالشهادتان إقرار لله تعالى بالألوهية، وإذعان له سبحانه بالطاعة، وتصديق برسوله صلى الله عليه وسلم، وفي الصلاة التي هي كل يوم خمس مرات إعلان للولاء الدائم لله تعالى. وفي الزكاة تهذيب للنفس وتعويد لها على العطاء والمشاركة والنظر إلى الفقير، فقير الإعاقة عن الحركة لا فقير الاحتراف، في الزكاة تكافل فأنت اليوم قوي قادر على العطاء، فمن يدريك لعلك تصير إلى الضعف وعدم القدرة فتجد في المجتمع من يمد لك يد العون. ثم إن الزكاة تنزع من المجتمع فتيل الحقد والحسد والغيرة، وكيف يحسد الفقير الغني أو يحقد عليه وهو يعطيه ثمرة عرقه ويشركه في ماله؟ إذن: في الزكاة تأمين للفرد المؤمن أعظم تأمين. لذلك قلنا في المجتمع الإيماني: إنك لا تعمل بقدر حاجتك، إنما تعمل بقدر طاقتك، فما احتجت إليه فخذه، وما لم تحتج إليه وزاد عنك فتصدق به على غير القادر، أنت تتصدق وأنت تذهب بنفسك إلى باب الفقير لتعطيه لتحفظ لأخيك ماء وجهه، وتعفيه من مذلة السؤال ولتنال أنت هذه الدرجة. ثم يأتي الحج ليضيف إلى هذه المعاني معنى إيمانيا آخر، فربك الذي خلقك وأعطاك وأمدك ومنحك القدرة والاستطاعة ألا يستحق منك أن تذهب إليه في بيته الذي اختاره لنفسه، ولو مرة واحدة في العمر؟ إنها زيارة ليست بإرادة الضيف وإنما بدعوة من المضيف، لذلك حين تذهب إلى بيت ربك في هذه الفريضة فسوف تعرض نفسك لعطاء آخر ما له حدود، ثم في الحج منافع أخرى دينية ودنيوية لا تخفى على المتأمل. أما الصوم فيعطيك بعدا آخر للطاعة، فأنت قبل الفجر تأكل وتشرب، وبعد الفجر يحرم عليك أن تأكل وتشرب، فبين الحلال والحرام هنا لحظة. وأنت حين تصوم تصوم عن شيء أحله الله لك قبل الصيام، فأنت حين تصوم تصوم على شيء حلال أصلا لأن الإسلام حرم عليك أشياء تحريما مطلقا كالخمر مثلا. فنحن والحمد لله لا نشربها ولا نفكر أبدا في شربها، حتى صار ذلك طبعا وعادة، فأراد سبحانه أن يخرجنا من إلف هذه العادة، وأن يديم على عبده حلاوة التكليف من الله في شيء حلال الآن، وبعد لحظة واحدة يكون حراما، فأخرجنا الحق سبحانه من إلف العادة إلى شرف العبادة.