[البقرة: 60] فالعصا واحدة يضرب بها الماء فيصير جبلا، ويضرب بها الجبل فيتفجر بالماء، فالأثر مختلف لأن الفاعل هو الله القادر. فقوله تعالى: ﴿ ربنا الله ﴾ [فصلت: 30] تعطينا فكرة إجمالية عن عطاء الربوبية للمادة وللقيم، فربك الذي أمدك بمقومات المادة ما كان ليتركك بدون مقومات الروح والقيم، فكما أخذت نعمه في المطعم والمشرب والمسكن فخذ نعمه في التكليف، لأنه بالتكليف يربي فيك الروح والقيم. وهذا ينبغي أن نتأمل مثلا قوله تعالى:
يبني ءادم قد أنزلنا عليكم لباسا يواري سوءاتكم وريشا ولباس التقوى ذلك خير ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون
[الأعراف: 26]. فالله تعالى أعطاك الضروري من اللباس وهو ما يستر عورتك، ثم زادك الرياش وهو ترف اللباس والزينة التي يتباهى بها الإنسان، لذلك نقول فلان ده متريش.
لكن لا تنس أن لباس التقوى ذلك خير، يعني: أفضل من اللباس الأول، فلباس المادة يستر عورتك في الدنيا، أما لباس التقوى فيسترك في الدنيا وينجيك في الآخرة. إذن: فهو عطاء ممتد باق خالد في الآخرة. فهو إذن خير لباس لمن وعى وفهم. فربك بربوبيته لنا أعطانا ما يقيم مادتنا وما يسعد دنيانا، وما كان سبحانه ليترك قلوبنا خالية من الأخلاق والقيم الروحية التي تسعدنا في الآخرة. واقرأ إن شئت قوله تعالى:
زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب
[آل عمران: 14]. فما عند الله في الآخرة هو الباقي، والمادة تفنى وتزول، والدنيا كلها ما هي إلا مرحلة إعداد للآخرة الباقية، حيث يعطيك ربك العطاء الحق، العطاء الممتد. انظر إلى الولد الصغير نعلمه ابتدائي وإعدادي وثانوي وجامعة، لماذا كل هذا التعب؟ للثمرة المرجوة بعد ذلك ليكون عضوا بناء في حركة الحياة، كذلك نحن في الدنيا نعمل لهدف أسمى هو الآخرة، حيث النعيم الباقي الذي لا ينغصه شيء. وتأمل هذا الإقرار من المؤمنين حين قالوا ﴿ ربنا الله ﴾ [فصلت: 30] إقرار يجمع بين عطاء الربوبية والاعتراف به وعطاء الألوهية، فالرب هو نفسه الإله المعطي هو نفسه سبحانه المكلف، ومن قبل من ربه عطاء الربوبية وأخذ نعمه إيجادا من عدم وإمدادا من عدم لا يليق به أن يترك تكاليفه، خاصة وهي تكاليف تسعد الإنسان في الدنيا والآخرة، ما جاءت لتضيق عليه أو تشق عليه. فعطاء الربوبية موجود أيضا في عطاء الألوهية، ومعلوم أن التكاليف جاءت فافعل ولا تفعل، وعليك أن تفعل في الأمر، وأن تنتهي عند النهي، وما لم يرد فيه نص فأنت فيه حر وتفعل أو لا تفعل. ثم يقول تعالى حكاية عن المؤمنين بعد أن قالوا ربنا الله وأقروا لله تعالى بالربوبية والألوهية، واستقرت عندهم هذه العقيدة راسخة ثابتة يقول: ﴿ ثم استقاموا ﴾ [فصلت: 30] يعني: بعد القول جاء العمل. وتأمل هنا حرف العطف ثم، فهو يفيد في اللغة الترتيب والتراخي، ولم يقل سبحانه فاستقاموا لحكمة، وكأن الحق سبحانه أراد أن يعطيك فرصة لتتأمل فيها هذه العقيدة وتبحثها وتقتنع بها، أعطاك فرصة لتراجع هذه العقيدة في نفسك لتؤمن بها عن رضا، وتعمل بها عن اقتناع، لتقبل عليها في حب قد يصل بك إلى درجة العشق لهذه الاستقامة. ومعنى الاستقامة: أخذ الشيء على قوامه، وهي تتطلب سيرا على خط مستقيم، الذي سماه الله الصراط المستقيم، فالله يريد منك أيها المؤمن أن تجعل الوسيلة إلى الغاية من عمل التكليف مثل الصراط لا تميل عنه قيد شعرة، ولا تنحرف عن جادته.
فأنت حين تسير في شارع متسع يمكن في السير أن تذهب هنا مرة وهنا مرة، نعم يجوز لك ذلك، لكن لا تنس أنه يطيل عليك المسافة ويزيد المشقة. لذلك سمى الله طريقه الموصل إلى جنته