تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لو نشآء لجعلناه حطاما

[الواقعة: 65] هكذا بلام التوكيد، لماذا؟ ليؤكد قدرته تعالى على الذهاب بالزرع مهما كان، والزرع للإنسان دور فيه وتدخل، فهو يحرث ويروي ويباشر، إنما حين تكلم عن خلق الإنسان وعن الماء لم يذكر في ذلك توكيدا ذلك لأن مسألة الخلق ومسألة نزول الماء من السماء لا دخل للإنسان فيها. والآيات في كون الله كثيرة صنفها العلماء إلى ثلاثة أقسام: آيات كونية: تثبت قدرة الخالق كالليل والنهار والشمس والقمر، ثم آيات معجزات: صاحبت رسل الله لتثبت صدقه في البلاغ عن الله، وآخرها آيات الأحكام: وهي آيات القرآن الكريم التي تحمل منهج الله للناس. وهذه كلها تخدم قضية اليقين والإيمان بالله. فإذا أشرب الإنسان العقيدة الإيمانية أعلنها بلسانه فرحا بها. وهنا يأتي دور اللسان المعبر عما في القلب والقائد لباقي الجوارح، لذلك ورد في الحديث الشريف أن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:

" ما من يوم إلا وتنادي الجوارح اللسان تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإذا استقمت استقمنا، وإذا اعوججت اعوججنا ".

فقوله تعالى: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ﴾ [فصلت: 30] دل على قول المؤمنين الذي رسخ الإيمان في قلوبهم، فعبرت عنه الألسنة ﴿ ربنا الله ﴾ [فصلت: 30] موجدنا ومربينا الذي خلقنا من عدم، وأمدنا من عدم، وأعطانا الأمن والأمان، لأنه القائل:

لا تأخذه سنة ولا نوم

[البقرة: 255]. فالإنسان إن أراد حارسا استأجر له حارسا، فكيف به إذا نام حارسه، أما أنت أيها المؤمن ففي حراسة الله فنم مطمئن القلب، لأن حارسك لا تأخذه سنة ولا نوم. فالمؤمن حين يباشر كل هذا النعيم، وحين يرى مقومات حياته في متناول يده من طعام وشراب، وأمن وسلام، هواء يتنفسه وأرض تعطيه كل ما يشتهي، يفرح بعطاء الله له ولا يملك إلا أن يقول ربنا الله لأنها أصبحت عقيدة ثابتة في القلب.

وما دام ربك الله، فلا تحزن ولا تهتم لأمر الدنيا فالله متولي أمرك، إنك ترى الولد في حياة أبيه لا يحمل هم شيء، ولا يفكر في غلاء الأسعار، ولا في توفير القوت والسلع والملابس.. إلخ لأن والده موجود، فما بالك إن كان الله هو الذي يتولاك؟ والله إن المؤمن الحق ليستحي أن يحمل هم الرزق أو العيش، وهو يعلم أن ربه الله. وما دام ﴿ ربنا الله ﴾ [فصلت: 30] فلا كرب وأنت رب. ربك سيتولاك، ويبعد عنك كل سوء، ويكفيك كل ما أهمك. تذكرون قصة سيدنا موسى عليه السلام مع فرعون، فلما اتبعه فرعون بجنوده

قال أصحاب موسى إنا لمدركون

[الشعراء: 61] هكذا يقول واقع الأحداث، فأمامهم البحر وخلفهم جنود فرعون ولا مفر، لكن ماذا قال موسى؟ قال: كلا يعني: لن يدركونا ولن ينالوا منا. قالها من رصيده الإيماني وثقته في ربه وحمايته له، فما كان الله ليرسل رسولا ثم يسلمه لعدوه.

قال كلا إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62] لذلك جاءه الفرج من ربه في التو:

فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم

[الشعراء: 63]. تأمل هنا حراسة الله لأوليائه، وتأمل هذه المعجزة، وهذه الربوبية، فما أن قال موسى قولته بصدق الإيمان إلا وجاءه الرد، فسلب الله من الماء خاصية السيولة وتجمد الماء فسار على الجانبين، كل فرق كالطود العظيم، وفي الوسط طريق جاف يابس عبر منه موسى وجنوده. حتى إذا ما وصل الشاطئ الآخر أراد أن يضرب البحر مرة أخرى ليعود إلى سيولته ويغلق الطريق في وجه فرعون. فأرشده ربه وصحح له وجهة نظره فلله تدبير آخر، والموقف لم ينته بعد، فقال الله لموسى:

واترك البحر رهوا إنهم جند مغرقون

[الدخان: 24]. بعد أن نجى الله موسى وقومه وذهب بهم إلى الصحراء جعل لنفس العصا دورا آخر:

وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا..

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٤٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٤٥