واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالولدين إحسانا..
[النساء: 36]. فالحق سبحانه حينما يأمرنا ببر الوالدين إنما يدربنا على عرفان الحق لله تعالى، فالله أوجد الخلق الأول، والوالدان أوجدا الخلق الثاني، وجعل احترام سبب الإيجاد الثاني وسيلة لاحترام سبب الإيجاد الأول.
إذن: نقول الربوبية عطاء، والألوهية تكليف، لكنه تكليف يعطيك أولا لأنك في الدنيا، وعمر الدنيا هو مقدار وجودك أنت فيها، ولا دخل لك في عمر الدنيا من لدن آدم حتى قيام الساعة، لأن هذا الزمن كله لا يعنيك وهذه محكومة من الله طولا، هذا يعيش عشرة أعوام، وهذا خمسين، وهذا مائة، فطول الأجل لا دخل لأحد فيه. فبعد أن ذكر الحق سبحانه لنا طرفا من الأمم المكذبة المعاندة للرسل وما آل إليه أمرهم من العذاب، يذكر سبحانه المقابل وهم أهل الإيمان والاستقامة على الجادة، فيقول تعالى: ﴿ إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا.. ﴾ [فصلت: 30] قلنا: العمل قول وفعل. فالقول عمل اللسان ويقابله الفعل، وهو عمل باقي الجوارح: فالرؤية للعين، والسمع للأذن، واللمس لليدين، والسعي للقدمين.. إلخ وكل من القول والفعل يسمى عملا. فما عمل القلب؟ القلب من الناحية المادية هو الوعاء المسئول عن ضخ الدم، وهو سائل الحياة إلى باقي أجزاء الجسم، وهو وعاء الإيمان والاعتقاد، فإذا ما عمر باليقين والإيمان أشاع ذلك في كل ذرة من ذرات الجسم، لذلك نقول: عمل القلب الاعتقاد، والعقيدة هي الشيء المعقود الذي لا يحل، الشيء الذي استقر في القلب فلا يخرج ليناقشه العقل من جديد. قنا: إن الفكرة تعرض أولا على العقل ليبحثها ويناقشها، فإن اطمأن إليها ألقاها إلى القلب لتستقر فيه عقيدة راسخة، فالقلب إذن لا يستقبل إلا عقائد ثابتة، وهذه العقائد هي التي ستكون مبدأ لك في حركات حياتك. ومن هنا نعلم أهمية دور اللسان وخطورته، فله نصف العمل، ولباقي الجوارح النصف الآخر، ثم هو المعبر عنك المصفح عما بداخلك، والجوارح كلها ينبغي أن تتفاعل مع الكون تفاعلا إيجابيا، فالأذن تسمع، والعين ترى، والأنف يشم، واليد تلمس، فالجوارح تعطيني مادة الفكر وبها يصل المؤمن إلى آيات الله في الكون، بها يعرف النافع ويعرف الضار فيأخذ منها النافع ويبتعد عن الضار، فالأذن تسمع كل شيء، وعليك أن توجهها لسماع الخير وتبتعد بها عن سماع الشر
وإذا مروا باللغو مروا كراما
[الفرقان: 72]. والعين تنظر بها إلى بديع صنع الله في كونه، وتغضها عن محارمه، وها هو الكون أمامك كتاب مفتوح، وما عليك إلا أن تقرأ ما فيه من آيات ومعجزات، والسماء وما فيها من شمس وقمر ونجوم وأجرام ومجرات كلها تسير بنظام دقيق محكم، والأرض وما فيها من عناصر وما تنبته لنا من خيرات. والحق سبحانه حينما يحدثنا عن هذه الخيرات ويمتن علينا بهذه النعم يذكرنا بقدرته تعالى على زوالها ونقضها، وكيف أنه لو شاء سبحانه لحرمنا، بل ولحول لنا هذه النعم إلى نقم والعياذ بالله، لذلك لنا وقفة مع قوله سبحانه عن الزرع:
ءأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون
[الواقعة: 64] نعم نحن نحرث ونروي ونباشر، لكن الإنبات بيد من؟ ثم يذكرنا سبحانه بقدرته على نقض هذه النعمة
لو نشآء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون
[الواقعة: 65]. ثم يحدثنا عن نعمة الماء، وكيف ينقضها:
أفرءيتم المآء الذي تشربون * ءأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون * لو نشآء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون
[الواقعة: 68-70]. لكن حين يحدثنا الحق سبحانه عن نعمة النار يتركها دون أن يذكر ما ينقضها:
أفرأيتم النار التي تورون * أأنتم أنشأتم شجرتهآ أم نحن المنشئون
[الواقعة: 71-72]. هكذا دون أن يذكر ما ينقضها كسابقها، لماذا؟ قالوا: لأن هذه هي النار النافعة الصحية التي لا ضرر فيها نوقدها لننتفع بها، وكل نار بعدها لها ضرر، لذلك لم يقل الحق سبحانه مثلا: لو نشاء لجعلناها رمادا، ذلك لتظل النار باقية تذكرنا بنار الآخرة. ثم لك أن تلحظ عظة الأداء القرآني ودقته في التعبير، فلما تكلم عن الزرع قال: