" كنت أستظل من وهج الشمس بظل قدر المطعم بن عدي ".
ومثله حاتم الطائي وغيرهم من كرماء العرب، لكنه قال: ﴿ الذين لا يؤتون الزكاة ﴾ [فصلت: 7] لأن الإنسان عادة يحب ماله، والحق سبحانه يقول:
ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون
[الحشر: 9] لأن للإنسان مطالب كثيرة في الحياة. كان البيع والشراء تبادلا عينيا. يعني: تعطيني سلعة، وأعطيك مقابلها سلعة أخرى، وقت لم يوجد النقد بعد تعطيني قمحا، وأعطيك تمرا مثلا، فكل شيء من هذه الأشياء ثمن وسلعة، فالقمح عندك سلعة، والتمر عندي ثمن. فكل واحد منا بائع ومشتر. لذلك قال تعالى في قصة سيدنا يوسف:
وقال الذي اشتراه من مصر لامرأته أكرمي مثواه..
[يوسف: 21] فقال: اشتراه يعني أخذه وقال عن الآخرين:
وشروه بثمن بخس دراهم معدودة..
[يوسف: 20] يعني: باعوه. إذن هذه مبادلة، كل واحد منهم بائع ومشتر في نفس الوقت. ﴿ الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون ﴾ [فصلت: 7] أم أن هذه كلمة عامة، فبإشراكهم لم يأخذوا حكم الله في الزكاة، فلم يعد فيهم خير لبيئاتهم ولا لمواطنيهم، لأن الله تعالى يريد من الإيمان أن ينشر الاستطراق العبودي في البشر، بأن يعين القوي الضعيف، والصحيح يعين المريض، والغني يعين الفقير، والعالم يعين الجاهل. ولكن أهم زاوية من زوايا الحياة هي زاوية استبقاء الحياة بالقوت، والقوت يحتاج إلى المال، لذلك الحق سبحانه وتعالى حين يتكلم في هذه المسألة عن المؤلفة قلوبهم، وهم قوم نريد أن نرقق قلوبهم ناحية دين الله، ونجذبهم إليه ليحسنوا التمعن والاختيار، لا أن نشتريهم للدين كما يدعي البعض. ومن الطرق إلى هذه الغاية أن نحسن إليهم، لذلك جعلهم الله تعالى مصرفا من مصارف الزكاة، وأعطاهم من مال الله لانت قلوبهم. وحين تحسن إلى شخص ماذا فعلت به؟ أولا نفضت عنه البغض، وما دمت نفضت عنه البغض، فلا ينظر إليك وهو كاره لك ولا حاقد عليك، وعلى الأقل يسمع منك، وهذا ما حدث للمؤلفة قلوبهم. لذلك لما انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد جماعة من العرب عن دين الله، لماذا؟ أول شيء ارتدوا من أجله فريضة الزكاة، ومن أجلها كانت حروب الردة، لذلك سمعنا أن سجاح مدعية النبوة ومسيلمة أول ما قالوا في دعواهم قالوا: نسقط عنكم الزكاة. لينالوا بذلك الرضا عن نبوتهم المزعومة، يريدون بذلك تخفيف التكاليف التي تشق على النفس. وبعضهم قال: نسقط عنكم نصف الصلاة، وكل مخفف لشرع الله باطل وفيه إيذاء، لأنه ينزل من منهج الله إلى منهج التخفيف، والله سبحانه حين يريد التخفيف والتيسير يأتي بالتيسير من عنده سبحانه، ومنهج الله لا يستدرك عليه. وفي شرع الله أحكام كثيرة تدل على هذا التخفيف، كصيام المريض والمسافر، وصلاة المريض والمسافر، وغير ذلك كثير في الشرع، فالله المشرع لك هو الذي يحدد لك التخفيف، لا أنت، وهو سبحانه أعلم بمدى المشقة التي تحتاج إلى تخفيف الحكم. لذلك نسمع من يقول: نريد أن نجدد الإسلام، نقول: سبحان الله، يا قوم اتقوا الله كيف نجدد الإسلام؟ وكيف نستدرك على أحكام الله، ونقول: يا شيخ جدد ما شئت فلن يلبس مسلم جديدك، والعلة أن لباس التقوى من الخالق لا يخلق حتى يجدده مخلوق، أريحوا أنفسكم. لكن لماذا جعل الله تعالى من الناس الغني والفقير المحتاج؟ لماذا لم يجعلهم جميعا في سعة ولا داعي للزكاة إذن؟ قالوا: لأن الله تعالى يريد أن يشيع بين خلقه التراحم والتواد، وحين يجد الفقير الغني لا يتكبر عليه بغناه، بل يأتي إليه ويطرق عليه بابه، ويعطيه حقه في مال الله، ساعتها يحبه ويحب له الخير والمزيد ولا يحقد عليه، ولا يتمنى زوال النعمة من بين يديه.
إذن: حين تعطي إنما تستل الغضب والحقد من النفوس، فتجعل مالك عرضة للمزيد. والحق سبحانه قادر على أن يجعل الناس جميعا أغنياء، إنما الحكمة في أن يوجد الغني الفقير، وأن تتداول هذه المسألة، فقد لا يدوم للغني غناه، ولا يدوم للفقير فقره، فالأحوال تتقلب، بحيث يرتبط كل بكل ارتباط محبة ومودة، والارتباط هنا ليس ارتباط تفضل، إنما ارتباط حاجة. إننا لو تخرجنا جميعا في الجامعة، فمن يكنس الشارع، ومن يقود السيارة، ومن يصنع لنا كذا وكذا؟ تقول: يمكن أن نتفق على أن يقوم كل منا بعمل في يوم محدد. نقول: نعم لكن يكون العمل هنا تفضلا، والتفضل لا يلزم أحدا إنما تلزمه الحاجة، والله يريد أن ترتبط مصالح الناس بالحاجة، ولذلك تجد الرجل يعمل العمل الشاق، وربما فيه أذى، قد لا تتحمله أنت، وقد ترى هذا العمل حقيرا، فما الذي حمله عليه؟ حملته الحاجة، وألجأته إليه ضروريات الحياة، وأكل العيش ومسئولية الأسرة والأولاد، وإلا ما أهان نفسه هكذا. ووالله لقد شاهدنا في بيت واحد رجلا يعمل صرماتي، وأخاه يبيع العطور، وتأمل ماذا يشم كل واحد منهما. وكان سيدنا الشيخ موسى رضي الله عنه كثيرا ما يدعو ويقول: اللهم أفقر الصناع وأغن العلماء، وكنا نغضب من هذا الدعاء ونقول له: ماذا تقول يا سيدنا؟ كيف ذلك؟ فيقول: والله لو افتقر العلماء لزلوا في الفتوى، ولو اغتنى الصناع لما انتفعنا منهم بشيء. نعم رأينا فعلا العامل إن كان في جيبه عشرة جنيهات قعد عن العمل حتى يصرفها. إذن: لا بد من الحاجة لتقضى مصالح الخلق. الحق سبحانه وتعالى جعل استطراق المال في المجتمع أهم قضية في الإسلام، لذلك جعلها من أركان الإسلام، فالحق سبحانه لم يعف أحدا من أن يمد يد الاستطراق الاقتصادي للغير، إن كان واجدا يبذل، وإن كان غير واجد مالا فليجد مقالا ينصح به من يجد. قال تعالى: