ومعنى ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36] أن في الكون أشياء كثيرة لا نعلم وجه الزوجية فيها، وقد نعلمها مستقبلا مع تقدم العلوم التجريبية، كما حدث مثلا في الكهرباء، وعرفنا أنها سالب وموجب، ولا نستفيد بالكهرباء إلا إذا التقى السالب بالموجب، أما إن التقى سالب بسالب أو موجب بموجب، فالنتيجة تكون عكسية، والسالب والموجب هنا نوع من أنواع الزوجية، كذلك الحال في الذرة وغيرها مما اكتشفه العلم الحديث. إذن: فكلمة ﴿ ومما لا يعلمون ﴾ [يس: 36] لها مدلولات وقعت، أخبر الله عنها قبل أن نكتشفها لنعلم أن الغيب الذي يخبرنا الله به يأتي كمقدمة لغيب آخر سنعرفه في المستقبل، وكأن الحق سبحانه يلفت أنظارنا: كما صدق الواقع ما أخبرت به من الغيب، فصدقوا ما أخبرتكم به من غيب الآخرة. بعد أن تكلم الحق سبحانه عن المكان وهو الأرض تكلم عن الزمان لأن الإنسان يعيش بالأحداث، والحدث يحتاج إلى زمان وإلى مكان، فبعد أن حدثنا الحق سبحانه عن الأرض وما عليها وهي المكان، يحدثنا عن الزمان، فقال سبحانه: ﴿ وآية لهم اليل نسلخ منه النهار... ﴾.
36.37
قوله تعالى ﴿ وآية لهم ﴾ [يس: 37] يعني: خاصة بهم، وليست آية للكل لأن النبي صلى الله عليه وسلم آمن بفطرته، ولم يكن بحاجة إلى دليل ليؤمن، كذلك المؤمن لا يبحث عن الدليل ألا ليرد به على من ينكر. و ﴿ اليل ﴾ [يس: 37] هو قسيم النهار، فاليوم يتكون من ليل ونهار، وليس من الدقة في المقابلات أن نقول اليوم والليل لأن اليوم يشمل الليل والنهار، فكلاهما يوم، لكن البعض نظر إلى قوله تعالى
سبع ليال وثمانية أيام حسوما
[الحاقة: 7] فأطلق اليوم مقابل الليل بدل النهار. والليل ظلمة، وفيها السكون يشبه النوم الذي تنامه بالليل، والنوم يشبه الموت، والليل يقابل النهار لكن لا يعانده ولا يضاده كما يظن البعض، فالليل يقابل النهار، وبينهما تكامل لأن لكل منهما مهمة في الحياة، الليل جعل لنهدأ من حركة النهار ونستريح لنستأنف نهارا جديدا بنشاط، والنهار جعل للعمل وللسعي نستغل فيه راحة الليل. إذن: هما متعاضدان لا متعاندان، وكل شيء له مقابل، إياك أن تأخذه على أنه ضد، بل انظر إلى أنه شيء ضروري لا بد أن يكون. لذلك الحق سبحانه يلفتنا في الزمن إلى هذه المسألة، فيقول:
قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون
[القصص: 71-72]. إذن: لكل منهما مهمة، ولا يغني أحدهما عن الآخر، ومن دقة الأداء القرآني أن يقول سبحانه في الليل
أفلا تسمعون
[القصص: 71] وفي النهار
أفلا تبصرون
[القصص: 72] لأن الليل ظلمة، وأداة الاستدعاء فيه الأذن، أما النهار فضياء نبصر فيه. إذن: لا يصح أن نجعل من كل متقابلين متضادين، فالتكامل غير التضاد، كذلك أراد الله تعالى أن يحل بهذه المسألة مشكلة لا تزال العصور تتصارع فيها إلى الآن، مشكلة التقابل بين الذكورة والأنوثة، أو الرجل والمرأة، والآن نسمع من ينادي بأن المرأة مثل الرجل، كيف ولكل منهما مهمة نوعية، إنهما متكاملان مثل تكامل الليل والنهار. وقد أشار الحق سبحانه إلى هذا التكامل في قوله سبحانه:
والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى
[الليل: 1-4]. ومعنى
إن سعيكم لشتى
[الليل: 4] يعني: مختلف، ولكل مهمة يؤديها في الحياة، فالذين ينادون الآن بالمساواة بين الرجل والمرأة إنما يظلمون المرأة لأنهم يريدون للمرأة أن تقوم بدور الرجل في حركة الحياة، وبعد ذلك يتركون المرأة تقوم هي بالخصوصية التي لا يؤديها إلا هي، إذن: هي أخذت من مهمة الرجل، ولم يأخذ الرجل من مهمتها.