36.7
الحق سبحانه وتعالى سطر أزلا كل ما يكون من مستقبلي أي دعوة دينية المؤمنين بها والكافرين، لكنه سبحانه ترك للناس الاختيار، وكونه تعالى يسجل ما سيحدث من الناس، ثم يأتي الحدث منهم وفق ما سجل، هذا يعني أن ما قاله قديما حق. والقرآن يقول مرة ﴿ حق القول ﴾ [يس: 7]، ومرة
سبق عليه القول
[هود: 40]، ومرة
وقع القول
[النمل: 82]. وكلها تدل على أن ما سبق في علم الله من الإخبار عن مختار اختار الهدى أو الضلال مسجل عنده تعالى، وهو حق كما أخبر الله به، ولو كان العبد غير مختار لقلنا: إن الله قهره على ما أراد، لكنه مختار. والحق سبحانه له طلاقة القدرة وطلاقة العلم، فلعلمه تعالى بما سيكون سجل وكتب، وقد أوضحنا هذه المسألة في كلامنا عن أبي لهب:
تبت يدآ أبي لهب وتب
[المسد: 1] فقد كان بوسع أبي لهب حين سمع هذه الآية أن ينطق بكلمة الإيمان ولو نفاقا، وله إذن أن يتهم القرآن وأن يكذبه، لكنه لم يفعل وظل على كفره حتى صدق فيه إخبار الله مع أنه مختار. كذلك في قوله تعالى:
ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول
[المجادلة: 8] وعجيب منهم بعد أن فضحهم القرآن، وأخبرهم بما يدور في نفوسهم ألا يؤمنوا به، وألا يسألوا أنفسهم من الذي أخبر محمدا بما في نفوسنا، ولو لم يكن منهم هذا القول في أنفسهم بالفعل لواجهوا محمدا، ولقالوا: لم يحدث منا هذا. لذلك الذين أنكروا رسالة محمد صلى الله عليه وسلم مع إخباره بمغيبات لا تقع عليها عقول البشر أنكروا رسالته، ولكنهم أرادوا أن يثبتوا له فوق الرسالة أنه إله يخبر بالشيء قبل حدوثه، فهو صلى الله عليه وسلم يقول لهم: أنا رسول وهم يريدونه إلها. القول السابق وقع على هؤلاء لأنهم لا يؤمنون، ولأنهم يكذبون ويعاندون ﴿ لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ﴾ [يس: 7] لذلك يقولون: إن للملائكة تعجبا، قالوا: وما تعجب الملائكة. قالوا: ساعة تقع في كون الله حركة يجدون خبرها عندهم في الكتاب، فيقولون: ما أعلم ربنا وأقدره، يعني: ما أخبر الله به، وقع كما أخبر تماما، مع أن العباد لهم حرية الاختيار. ولما حاول الفلاسفة عرض هذه المسألة: ﴿ لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون ﴾ [يس: 7] قالوا: الحق سبحانه وتعالى حين ترك الأمر للمكلف بالاختيار لأن الإنسان نفسه قبل أن يكون مختارا لم يلزمه الله بشيء، على خلاف السماوات والأرض والجبال، فقد رفضت هذا الاختيار، واخترت أن تكون مسخرة لله، مقهورة لإرادته سبحانه. يقول تعالى:
إنا عرضنا الأمانة على السموت والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا
[الأحزاب: 72]. إذن: الحق سبحانه خير الجميع فأبت السماوات والأرض والجبال، أما الإنسان فقد اغتر بعقله وذكائه وتصرفه في الأمور، فقبل الاختيار، فحكم الله عليه بأنه ظلوم وجهول، ظلوم لأنه ظلم نفسه بتحمل الأمانة، وجهول لأنه ضمن وقت التحمل، ولم يضمن وقت الأداء، فالعاقل هو الذي ينظر إلى وقت أداء الأمانة، لا إلى وقت تحملها. فلو جاءك صديق يودع لديك مبلغا من المال كأمانة لحين الحاجة إليه، فمن السهل أن تقبل هذا المبلغ وفي نيتك أداؤه عندما يطلبه صاحبه، لكنك لا تضمن أن تتغير ظروفك فتحتاج إليه، أو تتغير ذمتك، أو غير ذلك مما يطرأ على الإنسان. إذن: فجهل الإنسان هنا أنه أغفل وقت الأداء، وظلمه لنفسه أنه جر عليها ما لا تقدر عليه لأن شهوات نفسه لا بد أن تلح عليه، ولا بد أن توقعه في المخالفة. قالوا: إن العالم كله محكوم بأمرين: بمشهود، وغيب، ومن عجيب الأمر أن المشهود هو الدليل على الغيب، يعني خذ مما تراه دليلا على ما لا تراه لذلك حين نريد أن نربي في الناس الإيمان بالله نلفت أنظارهم إلى ملكوت السماوات والأرض: