تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36.66-67

يعني: كما ختمنا على أفواههم ومنعناهم الكلام لو شئنا لطمسنا أعينهم يعني: أغلقناها وسويناها، بحيث لا يظهر لها أثر في وجوههم، وإذا طمسنا على أعينهم فقدوا البصر، فكيف يبصرون وهم يسابقون إلى الصراط؟ لقائل أن يقول: إذا فقدوا البصر على الصراط، فقد تكون لهم بدائل وحيل تسعفهم، كأن يتحسس طريقه بعصا مثلا، أو يجد من يأخذ بيده ويرشده، فالحق سبحانه وتعالى يطوقهم من كل نواحيهم، ويقطع أملهم في النجاة، فيقول: ﴿ ولو نشآء لمسخناهم على مكانتهم ﴾ [يس: 67]. فالأمر لا ينتهي عند العمى والطمس على الأعين، إنما هناك ما هو أشد، أن يمسخهم في أماكنهم ويجمدهم فيها، فلا يستطيعون حراكا. والمسخ أن يصيروا كالمساخيط لا يتحرك، أو مسخناهم يعني: حولنا صورهم إلى صور قبيحة، إذلالا وإهانة لهم. والمعنى الأول أوجه، لأنه تعالى قال بعدها: ﴿ فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون ﴾ [يس: 67]. لأنهم تجمدوا في أماكنهم، فلا حركة لهم لا إلى الأمام بالمضي فى الطريق الجديد الذي هم مقبلون عليه، ولا حتى العودة في الطريق الذي جاءوا منه وألفوه.

36.68

الحق سبحانه قد أعذر بأنه أنذر، وأعذر لأنه قال لهم لا تعبدوا الشيطان وبين عداوته، وقال: اعبدوني واسلكوا صراطي المستقيم، إذن: ليس لهم عذر حين كفروا بالله وأطاعوا الشيطان وعبدوه، لكنهم قد يعتذرون من ناحية أخرى فيقولون: يا رب أنت أخذتنا ولو عشنا لاهتدينا وعدنا إلى الصراط المستقيم، فيرد الله عليهم:

أولم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر..

[فاطر: 37]. يعني: قد عمرناكم عمرا طويلا يكفي للتذكر والعودة فلم تعودوا، ثم إن التعمير يورث الضعف والوهن وعدم القدرة، فأنت أول الحياة عندك فتوة وقوة ونشاط بدني وذهني، لكن مع الكبر تضعف البنية، وتقل القوة العضلية والعقلية، ويعود الإنسان إلى الضعف الذي بدأ به وهو طفل صغير، وكما قال تعالى:

لكي لا يعلم بعد علم شيئا..

[النحل: 70]. فإذا كنتم لم تعودوا ولم ترعووا في فترة القوة وسلامة العقل والتفكير، أتعودون في فترة الهرم والضعف والنسيان؟ لذلك يقول هنا الحق سبحانه: ﴿ ومن نعمره ﴾ [يس: 68] نطيل عمره ونمد له فيه ﴿ ننكسه في الخلق ﴾ [يس: 67] الانتكاس: العودة إلى الوراء، والرجوع إلى ما كنت عليه أولا، فطول العمر يعود بالإنسان إلى مرحلة الطفولة الأولى، فهو نكسة في حقه حين يصير شيخا هرما لا يستطيع الحراك ولا الكلام، وتأخذ ذاكرته في الضعف فينسى ويخرف، فهو كالطفل تماما يحتاج من يحمله ويطعمه ويزيل عنه الأذى.. الخ، فهل في هذه الحال عودة؟ وهل ينفع معها تفكر وتدبر؟ ﴿ أفلا يعقلون ﴾ [يس: 68] يعني: أين عقولكم في هذه المسألة، والحق سبحانه يسوقها بأسلوب الاستفهام، ولا يأتي بها على سبيل الإخبار ليجيبوا هم ويقروا على أنفسهم بعدم التعقل.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩١١