36.10
السوائية هنا بالنسبة لهم، لا بالنسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لأن رسول الله عليه مجرد البلاغ، وما دام بلغهم فقد انتهت مهمته، فكأن الله يقول له: اطمئن ولا تحزن، فإنذارك وعدمه عندهم سيان، إنما بإنذارك أقيمت عليهم الحجة، لأنهم أقسموا في موضع سابق:
وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جآءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم فلما جآءهم نذير ما زادهم إلا نفورا
[فاطر: 42]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب... ﴾.
36.11
يعني: إنذارك يا محمد يجدي مع من يذكر الله ويخافه، ويؤمن به، ويؤمن بقدرته تعالى على البعث وعلى الحساب، هذا الذي ينتفع بالإنذار ويستفيد منه على خلاف المكذب للأصل، كيف يستفيد من الإنذار؟ ومعنى ﴿ اتبع الذكر ﴾ [يس: 11] أي: القرآن. والخشية: خوف، لكن بمهابة، فأنت تخاف الله وتهابه، وكذلك ترجوه، أما الخوف من غير الله فخوف بكره لأنه خوف من جبروت لذلك جاءت بعد الخشية صفة الرحمة ﴿ وخشي الرحمن ﴾ [يس: 11] فأنت تخاف ممن اتصف بالعطف والحنان، وهذا أدعى أن يحببك فيمن تخاف منه ويعطفك إليه، فتكون خشيتك له ممزوجة بالهيبة والوقار، وبالرجاء فيه لذلك قال سبحانه: ﴿ وخشي الرحمن ﴾ [يس: 11] حتى لا تنفر من الذي تخافه. وهذه الخشية تكون من المؤمن ﴿ بالغيب ﴾ [يس: 11] يعني: ساعة يكون غائبا عن الناس منفردا، فإنه يخشى الله، ولا يخشى الناس، ولا يحتاج إلى رقيب لأن رقابة البشر للبشر لا تجدي لأنك ستجعل عليه رقيبا من جنسه، وما جاز على المراقب يجوز على المراقب من تدليس وغيره، حتى حين تجعل على المراقب تفتيشا مفاجئا لا تأمن التدليس. وسبق أن ضربنا مثلا برجل المرور، فالواحد منا قبل أن يسمح له بقيادة سيارة لا بد أن يمر بشروط قاسية تضمن أولا سلامة السيارة التي يقودها، ثم تمكنه هو من فن القيادة، ولا بد أن يجتاز الاختبارات اللازمة لذلك، ومع هذا كله منا من يلتزم، ومنا من لا يلتزم بالقواعد المرورية لذلك نجعل رجل المرور ليراقب وينظم حركة المرور في الشوارع، وعليه من يراقبه. لكن لما وجدوا أن رجل المرور يمكن أن يدلس، فيأخذ الرخصة من مخالف، ويتغافل عن آخر استحدثوا آلات للمراقبة مثل الرادارات، لتكون أكثر دقة، لكن هذه الآلات من يشغلها؟ بشر يجوز عليهم ما يجوز على غيرهم. إذن: حين يكون المراقب من جنس المراقب، فعملية المراقبة لا تفيد، ولو جعلنا على كل منا رقيبا لاحتجنا إلى جيوش من الحراس. إذن: ماذا نفعل لنحكم هذا العالم كله؟ محمد صلى الله عليه وسلم جاء ولرسالته ميزات الرسالة الكاملة، فرسالته غير محدودة بزمان ولا بمكان، فالزمان والمكان هما اللذان يحصران الأحداث، فهما ظرفان للحدث، فإذا لم يكن حدث موجودا فلا زمان ولا مكان لذلك لا يصح أن يقال بالنسبة لله تعالى: أين ولا متى، لأن أين ومتى مخلوقتان لله. وإذا كان الزمان والمكان يشتركان في الظرفية للحدث إلا أن المكان ظرف قار يعني: ثابت، والزمان ظرف متغير، فهذا وقته الصبح، وهذا الظهر ونقول: هذا قبل كذا، وهذا بعد كذا. رسول الله جاء برسالة عامة في الزمان وفي المكان إلى أن تقوم الساعة، وجاء بمنهج لصيانة الإنسان في العالم كله مع اختلاف بيئاته وطبائعه، وفي الأزمنة باختلاف عصورها، فكيف تتحقق هذه الصيانة وهذه المراقبة؟ ما دام محمد صلى الله عليه وسلم قد جاء بمنهج ليحكم به العالم كله زمانا ومكانا، فلا يصح أن يجعل على كل فرد منه رقيبا من جنسه، ولا حتى من الملائكة، إنما عليه أن يربي في نفوس الناس خشية الله، وأن يزرع في قلوبهم المهابة منه سبحانه بالغيب وهذا هو الرقيب الحقيقي والرقيب الملازم الذي لا ينفك عنك، ولا يفارقك لحظة.
لذلك، المرأة التي راودها الرجل وأغراها بأنهما في فلاة لا يراهما أحد فقال لها: ما يمنعك مني، وما يرانا غير الكواكب؟ فقالت له: يا أبله، وأين مكوكب الكواكب؟ هذه هي خشية الرحمن بالغيب. وروي أن المعتضد وهو أحد ملوك دولة بني بويه أيام الخلافة العباسية، وكان مشهورا بالذكاء والعدل، وحدث أن جاء رجل إلى سوف بغداد ليبيع عقدا نفيسا ليحج بثمنه، فلم يجد في السوق مشتريا لنفاسة العقد، ومر الرجل بشيخ وقور عليه علامات الصلاح فقال: هذا رجل أمين أودع عنده هذا العقد أمانة حتى أعود من الحج، فلما عاد من الحج سأل الشيخ عن العقد الذي تركه عنده، فأنكره الشيخ، وخابت كل محاولاته لاستعادة العقد. سمعه أحد المارة فقال: يا هذا إنه رجل مخادع كذاب، اذهب إلى المعتضد، وسوف يعيد لك العقد بذكائه وحيلته، ذهب الرجل إلى المعتضد وقص عليه القصة فقال له: اذهب في الغد واجلس بجوار هذا الرجل، وسوف أمر عليك في موكبي فلا تقم لي وإن كلمتك فرد وأنت جالس، ودعني أتصرف في هذه المسألة. وفي الغد مر المعتضد في موكبه المهيب، وحوله الحاشية و الهيلمان والصولجان فنظر إلى صاحب العقد وقال: يا فلان منذ متى وأنت هنا؟ وكيف لا تخبرني بوجودك لأقابلك وأؤدي لك حقك. سمع الشيخ هذا الكلام فظن أن الرجل من معارف الملك ومن أتباعه، فارتعد ونادى صاحب العقد، وقال له: أرجوك لا تذكرني أمام الملك بحكاية العقد هذه، وقام إلى العقد فرده إلى صاحبه، ذهب الرجل بالعقد إلى المعتضد فتبسم، وقال له: انتظرني في الغد أمام دكان هذا الشيخ. وبالفعل جاء المعتضد، لكنه هذه المرة كان بصحبته المشنقة، فأمر بنصبها أمام دكان هذا المخادع، وأمر به فشنقوه. ثم قال: هذا جزاء من كان إيمانه بين الناس مشهدا، وليس إيمانه بالغيب - يعني: بعيدا عن أعين الناس. لذلك جعل الله المنافقين في الدرك الأسفل من النار، وكانوا أول الناس سعيا للصلاة، وكانوا أصحاب الصف الأول خلف رسول الله، ومع ذلك كان هذا جزاءهم لماذا؟ لأن المنافق متناقض مع نفسه، فلسانه خلاف قلبه. ومن معاني الغيب في قوله تعالى: ﴿ وخشي الرحمن بالغيب ﴾ [يس: 11] أي: الغيب الذي أخبر الله به من أن هناك آخرة وبعثا وحشرا وحسابا.