36.41-44
قوله تعالى ﴿ وآية لهم ﴾ [يس: 41] هي آية لنا ولهم، لنا على سبيل الاستدلال نستدل لهم بها لنقنعهم، ولهم هم أي: تدعوهم إلى الإيمان بالله لذلك لما سئل الإمام علي رضي الله عنه: أعرفت ربك بمحمد؟ أم عرفت محمدا بربك؟ فقال: عرفت ربي بربي، وجاء محمد فبلغني مراد ربي مني. ومعنى ﴿ الفلك ﴾ السفن ﴿ المشحون ﴾ المملوء. والمراد: سفينة سيدنا نوح - عليه السلام - وقد أوحى الله إليه أن يصنع السفينة، ودله على كيفية صناعتها، كما قال سبحانه:
فأوحينآ إليه أن اصنع الفلك بأعيننا ووحينا..
[المؤمنون: 27]. فالسفن في حد ذاتها من آيات الله، ولو لم يوح الله إلى نوح أن يصنع السفينة، كيف كنا ننتقل في الماء، وهو ثلاثة أرباع الكرة الأرضية، فهذه آية أجراها الله تعالى على يد سيدنا نوح، ليعلم الناس جميعا صناعة السفن، ثم للعقول بعد ذلك أن تطورها وترقى بصناعتها، كما نرى الآن السفن العملاقة على أحدث ما يكون، حيث استبدل الإنسان قلع المركب بآلات البخار والكهرباء، وحل الحديد والمعادن محل الخشب والمسامير.. الخ. ومع هذا التطور، وبعد الاستغناء عن قوة الريح في تسيير السفن تظل السفن تسير بسم الله وبقدرته حتى إن استخدمت البخار أو الكهرباء لأن الريح لا يعني الهواء الذي يسير السفن فحسب، إنما الريح تعني القوة أيا كانت لذلك يقول سبحانه:
ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم..
[الأنفال: 46]. ويقول سبحانه:
إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره..
[الشورى: 33]. ويستوقفنا في هذه الآية قوله تعالى: ﴿ حملنا ذريتهم في الفلك المشحون ﴾ [يس: 41] والآية تتحدث عن العرب الذين نزل القرآن مخاطبا لهم، والذين حملوا في السفينة هم آباؤهم لا ذريتهم، فكيف ذلك؟ قال القرآن: ﴿ حملنا ذريتهم ﴾ [يس: 41] والمراد: آباؤهم لأن الذرية تطلق أيضا على الأب لأن الذراري منه، أو لأن الآباء الذين نجوا في السفينة هم الأصل الأصيل للموجودين الذين يخاطبهم القرآن، وكانوا هم مطمورين في آبائهم. لذلك سبق أن قلنا: إن كل واحد منا إلى أن تقوم الساعة فيه جزىء حي من أبيه آدم لم يطرأ عليه الموت، ولو تتبعت الآباء وسلسلت هذه السلسلة لقلت إنني من ميكروب حي جاء من أبي، وأبي من ميكروب حي جاء من أبيه، وهكذا إلى آدم عليه السلام، ولو كان هذا الميكروب ميتا ما جئت. إذن: ففي كل منا ذرة تكوينية من أبيه آدم لم يطرأ عليها تغيير، وهذه الذرة هي التى تحمل الفطرة الإيمانية في كل إنسان. ووصف الحق سبحانه الفلك بأنه مشحون. يعني: مملوء لأن سيدنا نوحا لم يأخذ فيها المؤمنين لينجيهم من الغرق فحسب، إنما ليوفر لهم سبل العيش بعد النجاة، وإلا فكيف يعيش الناس على أرض لا يوجد فيها غيرهم، لا نبات ولا حيوان ولا طيور؟ لذلك قال سبحانه مخاطبا نبيه نوحا:
قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين..
[هود: 40]. وقوله سبحانه: ﴿ وخلقنا لهم من مثله ما يركبون ﴾ [يس: 42] فمن بعد السفينة أخذها الناس نموذجا، وصنعوا مثله، وطوروا في صناعته، فأنشأوا السفن والمراكب والزوارق وغيرها مما يركب في البحر. أو: خلقنا لهم من مثله ما يركب في البراري والصحراء، ومن ذلك يسمون الجمل مثلا سفينة الصحراء. ثم يحذرنا الحق سبحانه أن نغتر بهذه المراكب لأنها وسائل للنجاة، لأنه سبحانه إن أراد الهلاك أهلك، وكم رأينا سفنا عملاقة توفرت لها كل سبل الأمان والسلامة، ومع ذلك ابتلعتها الأمواج بمن فيها. وصدق الله: ﴿ وإن نشأ نغرقهم فلا صريخ لهم ولا هم ينقذون ﴾ [يس: 43] فإياك حين ترزق بنعمة تخلصك من معطب أن تغرك النعمة فتحسب فيها الأمن والنجاة لأنك لن تفلت من قبضة الله، ولا ينقذك أحد، ولا ينجيك شيء إن أراد بك الهلاك، وهل ترى بيدك شيئا ينجيك حين تهب عاصفة، أو يعلو الموج فوق سفينتك كالجبال؟ إذن: آلاتك ووسائلك لا تنجيك من قدري. ومعنى ﴿ فلا صريخ لهم ﴾ [يس: 43] الصريخ هو الذي تستصرخه وتستنجد به لينقذك، ويأخذ بيدك، ويخرجك من المأزق الذي أنت فيه. ومن روائع العقائد التي استشفها أهل الإشراق والتنوير أن قالوا: الإنسان يصرخ ويستنجد بمن هو أقرب منه: كأبيه: أو أمه، أو خادمه، أو جاره.. الخ. فإذا لم يجد؟ يقول: يا الله، لذلك نسمع بعضهم يقول عند المأزق: يا هوه. والمراد يا هو يعني: يا الله لأنه لا يوجد غيره ينقذ ويغيث. ومن المواضع التي وردت فيها مادة صرخ قوله تعالى حكاية عن الشيطان