تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

36.18

كأنهم يقولون للرسل: ما دمتم كذبتم على الله وقلتم

ربنا يعلم..

[يس: 16] في أمور نظنكم فيها كاذبين، فقد تطيرنا بكم يعني: تشاءمنا. والتطير من الطيرة. وكانت عادة معروفة عند العرب، فكانوا حين يريد الواحد منهم عمل شيء، يأتي إلى طير فيزجره ويطلقه، فيرى إلى أين يطير: فإن طار إلى اليمين أمضى ما ينوي عليه، وإن طار إلى اليسار أمسك وتشاءم، وقد حرم الإسلام هذه العادة ونهى عنها. وقولهم ﴿ لئن لم تنتهوا ﴾ [يس: 18] أي: عما تقولونه من أنكم مرسلون بمنهج ﴿ لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم ﴾ [يس: 18] فجمعوا عليهم الرجم والعذاب الأليم، والرجم غير العذاب، الرجم رمي بالحجارة حتى الموت، فهو إنهاء للعذاب لأن التعذيب إيلام حي، فمن مات لا يستطيع أن تعذبه، لذلك قالت العرب: لا يضير الشاة سلخها بعد ذبحها. لذلك لما ادعى أحد القضاة أن القرآن ليس فيها نص على الرجم: قلنا لهم: صحيح، ليس في القرآن آية تنص على الرجم، لكن أيهما أقوى في التقنين: الكلام أم الفعل؟ أيهما يعد حجة؟ لا شك أن الفعل أقوى حجة، لأن الكلام يمكن أن يؤول، أما الفعل فلا تأويل فيه، وقد فعل الرسول صلى الله عليه وسلم الرجم في ماعز والغامدية. إذن: الاحتجاج هنا ليس بالنص القولي، إنما الفعل من رسول الله الذي فوضه الله في أن يشرع، وأمرنا بطاعة أوامره، فقال سبحانه:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

[الحشر: 7] والحق سبحانه لا يأمرنا هذا الأمر إلا إذا كان قد ترك لرسول الله أمورا يشرعها. وهذه من ميزاته صلى الله عليه وسلم على غيره من الرسل، فكل رسول ما عليه إلا أن يبلغ الحكم كما جاءه من الله، أما سيدنا رسول الله فأمر أن يبلغ عن الله، وترك له بعض الأمور، وفوض أن يشرع فيها. لذلك جاءت هذه الآية:

ومآ آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا

[الحشر: 7]. لذلك حين نستقرئ آيات الطاعة تجد القرآن يقول مرة:

وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول

[المائدة: 92]. ويقول في آية أخرى:

وأطيعوا الله والرسول

[آل عمران: 132]. ويقول:

وأطيعوا الرسول

[النساء: 59]. فتكرار الفعل أطيعوا يعني: أن الجهة منفكة، فلله تعالى أمر وللرسول أمر، يعني: أطيعوا الله في التقنين الإجمالي العام، وأطيعوا الرسول في تفصيل ما أجمل، ففي الزكاة مثلا جاء الأمر العام بأداء الزكاة، لكن لم يحدد الحق سبحانه له نصابا، هذا النصاب بينه سيدنا رسول الله. إذن: لله فيها أمر، وللرسول أمر. أما إن جاء الأمر وأطيعوا واحدا وعطف رسول الله على الله، ولم تكرر الطاعة مع المطاع، فاعلم أن الأمر واحد قاله الله وقاله رسول الله، فطاعة المطاع الثاني من باطن طاعة المطاع الأول، كما في قوله سبحانه:

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم

[النساء: 59] فلم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم لأن طاعة أولي الأمر من باطن طاعة الله وطاعة رسول الله، وليس لهم طاعة مستقلة منفصلة، بل طاعتهم في ظل طاعة الله وطاعة رسول الله. إذن: الاستدلال بالفعل أقوى من الاستدلال بالقول، فإن قال قائل: نريد أن نسمع كلام الله في هذه المسألة نقول: نعم، هناك كلام بالنص وكلام باللازم، والحق سبحانه حين تكلم عن الإماء في هذه المسألة قال:

فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب

[النساء: 25]. والعذاب كما قلنا: إيلام حي أما الرجم فهو إنهاء للحياة، وإنهاء للعذاب لذلك بين الحق سبحانه أن النصف للعذاب، وهنا يخرج الرجم لأن الرجم لا ينصف. إذن: فالنصف ليس على الإطلاق وكونه يخص هنا العذاب، فهذا يعني أن عليهن الرجم أيضا كاملا، لا ينصف. ومن ذلك أيضا قوله تعالى في قصة سليمان عليه السلام والهدهد:

لأعذبنه عذابا شديدا أو لأاذبحنه

[النمل: 21] إذن: العذاب غير الذبح وغير القتل. وقولهم: ﴿ لنرجمنكم ﴾ [يس: 18] الرجم قد يطلق على القول، لنرجمنكم بالقول، وقد يكون الرجم على حقيقته بشدة حتى الموت، أو بهوادة، فيراد منه الإيلام.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٨٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٨٠