36.31-32
يعني: كان يكفي هؤلاء المكذبين أن ينظروا مصير من كذب قبلهم، وما حاق بهم من العذاب، وأنهم بعد أن أهلكهم الله لم يرجع منهم أحد. وكلمة ﴿ يروا ﴾ [يس: 31] من الفعل رأى، وهى تأتي: بصرية أو علمية، تقول: رأيت المشهد، فهذه رؤية بصرية، وتقول: رأيت هذا الرأي يعني علمته، والرؤية البصرية تقصر معلوماتك على ما اتصلت به جارحتك، أما العلمية فتعطيك ما اتصلت به جارحتك وجوارح الآخرين، فالرؤية العلمية إذن أوسع من البصرية. لذلك قال تعالى مخاطبا نبيه صلى الله عليه وسلم:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
[الفيل: 1]. ومعلوم أن سيدنا رسول الله ولد في عام الفيل، وربما بعد هذه الحادثة، إذن: لم ير منها شيئا رؤية بصرية، ومع ذلك خاطبه ربه بقوله
ألم تر
[الفيل: 1] يعني: ألم تعلم، سواء أكان قومه قصوا عليه القصة، أو أن الله تعالى أخبره بها. والرؤية البصرية للأحداث أوثق وسائل الإدراك لأنه كما يقولون: ليس مع العين أين، لكن لماذا عدل السياق عن ألم تعلم إلى ألم تر؟ قالوا: في هذا إشارة من الحق سبحانه لنبيه يقول له: إن إخباري لك بقضية علمية أوثق من رؤيتك بعينك. وقوله تعالى: ﴿ ألم يروا ﴾ [يس: 31] تعني أن من هؤلاء القوم من رأى بالفعل مصارع المكذبين، ومر على ديارهم وهي خاوية على عروشها في أسفارهم ورحلات تجارتهم في الشتاء والصيف، ومعنى ﴿ كم ﴾ [يس: 31] تفيد الكثرة، وأنه أمر فوق الحصر كما تقول لمن ينكر جميلك: كم أحسنت إليك وكأنك تقول له: أنا أرتضى حكمك وأستأمنك أنت على الجواب، وبذلك تحول الإخبار منك إلى أقرار منه هو. ومعنى: ﴿ من القرون ﴾ [يس: 31] القرون جمع قرن، وهو فترة من الزمن قدروها بمائة عام، والقرن أيضا يعني الجماعة أو القوم يجمعهم الشيء الواحد مهما طالت فترته كالدين الواحد، أو حكم ملك من الملوك.. الخ. فمثلا نقول: قوم نوح وقد أخذوا من الزمن مساحة ألف عام أو يزيد. وقوله: ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ [يس: 31] يحتمل أكثر من معنى حسب عود الضمير في أنهم وفي إليهم فالآية تتحدث عن قرون أهلكت من قبل وتخاطب مكذبين معاصرين، فإن عاد ضمير الغائبين في أنهم إلى القرون التى أهلكت. فالمعنى: أنهم لا يرجعون، ولم نر أحدا منهم رجع بعد هلاكه، وإن عاد الضمير على المخاطبين الموجودين. فالمعنى: أنكم أيها المخاطبون، لا ترجعون في نسبكم إلى هؤلاء الذين أهلكهم الله لأن الله تعالى استأصلهم بحيث لم يبق منهم أحدا ولا نسلا. والآية في مجملها تعني أن هلاك الكافرين والمكذبين ليس بدعا: بل هو سنة متبعة على مر الزمان، فالقرآن يقص علينا ما نزل بعاد وثمود وفرعون:
ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد
[الفجر: 6-12]. والله تعالى أبقى الآثار لتدلنا على صدق ما أخبرنا به سبحانه، وها نحن نرى أمريكا مثلا، وهي سيدة الحضارة الحديثة، وصاحبة الأسبقية في الابتكار والاختراع وغزو الفضاء، ومع ذلك يأتون إلى مصر ليشاهدوا آثار الفراعنة التي بنيت قبل الميلاد بآلاف السنين، ويتعجبون رغم تقدمهم العلمي من كيفية بناء الأهرامات مثلا. هذه السنة - سنة إهلاك الكافرين - نرى لها شواهد في عصرنا الحديث، فروسيا التي انتحرت وقتلت نفسها بنفسها، انظر ماذا فعلت في الشيشان، هذه الدولة الإسلامية الصغيرة، في حين قصرنا نحن عن نصرتهم، أو أن نصرتنا لهم لم تكن على قدر جبروت المعتدين لذلك تدخلت السماء ورد الله على أعداء دينه، وثأر منهم في زلزال سخاليل. وقوله تعالى في الآية بعدها: ﴿ وإن كل لما جميع لدينا محضرون ﴾ [يس: 32] جاءت هذه الآية بعد قوله سبحانه ﴿ أنهم إليهم لا يرجعون ﴾ [يس: 31] لتوضح أن عدم الرجعة أي فى الدنيا، وإلا لو لم يكن لهم رجعة لا في الدنيا ولا في الآخرة، فالموت راحة بالنسبة لهؤلاء المكذبين، كما قال الفخر الرازي رحمه الله، إنما المراد: لا يرجعون في الدنيا، أما في الآخرة فلا بد من الرجوع للحساب عن كل كبيرة وصغيرة. قوله سبحانه وإن إن هنا بمعنى ما النافية و لما بمعنى إلا، فالمعنى: وما كل إلا جميع لدينا محضرون. وقد عرفنا من دراستنا لقواعد النحو أن كل وجميع من ألفاظ التوكيد المعنوي للجمع، ومثلهما أبصع وأكتع وأبتع، تقول: جاء القوم أجمعون أو أبصعون أو أبتعون، وجاء القوم كلهم. ونلحظ أن الآية جمعت بين لفظي التوكيد كل وجميع، فلماذا؟ قالوا: الجمع بينهما ضروري هنا، لأن لكل منهما مدلولا، لا تؤديه الأخرى، فالكلية تفيد الشمول للأفراد في الرجوع، فكلهم يعني كل فرد منهم، ولا يشترط أن يكونوا مجتمعين سويا، إنما يأتي كل بمفرده لترى الذلة والصغار على المسرفين وعلى الكافرين الذين جعلوا من أنفسهم آلهة مطاعة. أما جميع فيعنى: يأتون مجتمعين. ومعنى ﴿ محضرون ﴾ [يس: 32] من الفعل حضر، وفرق بين حضر وأحضر، حضر، أي: طواعية بنفسه وبرغبته، أما أحضر أي: أجبر على الحضور، وأكره رغم أنفه. بعد أن ذكر الحق سبحانه مسألة البعث في ﴿ وإن كل لما جميع لدينا محضرون ﴾ [يس: 32] أراد سبحانه أن يذكر دليلا على صدق هذه القضية لأن البعث من المسائل التي ينكرها كثيرون، وصدق القائل: