تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم تختم هذه النعم بقوله سبحانه ﴿ أفلا يشكرون ﴾ [يس: 73] هكذا بأسلوب الاستفهام ليجيبوا هم، فالله لا يقول لهم: اشكروني على هذه النعم إنما يقررهم: أهذه تستوجب الشكر أم لا؟ ثم لو شكرتم فسوف تتعرضون لعطاء آخر وزيادة:

لئن شكرتم لأزيدنكم

[إبراهيم: 7]. إذن: كان يجب عليهم أن يشكروا الله على نعمه، وأن تدعوهم هذه النعم إلى الإيمان بهذا الإله المنعم الذي يوالي عليهم نعمة ظاهرة وباطنة، ولم لا والإنسان حينما يكون موظفا يتقاضى أجره كل شهر من صاحب العمل لا بد أن يحييه كل يوم ويتودد إليه، فالمنعم بكل هذه النعم أفلا يستحق أن يعبد وأن يشكر؟ وليت الأمر ينتهي بهم عند حد عدم الشكر، إنما يحكي القرآن عنهم فيقول: ﴿ واتخذوا من دون الله... ﴾.

36.74-75

عجيب أن يحكي القرآن عنهم هذا بعد أن شرح الله لهم آياته التي تثبت وجوده الأعلى ووحدانيته الكبرى، ففي الآفاق حول الإنسان آيات، وفي نفسه آيات، فمن انصرف عن الأولى أو غفل عنها، فكيف يغفل عن الأخرى، وهي في نفسه وذاته التي لا تفارقه. لذلك قال سبحانه:

سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق

[فصلت: 53]. ومع ذلك ﴿ واتخذوا من دون الله آلهة ﴾ [يس: 74] أي: عبدوها من دون الله، لماذا؟ ﴿ لعلهم ينصرون ﴾ [يس: 74] صحيح أن الإنسان يتخذ إلها منه لينصره في شدته، لكن إذا كان هذا الإله الذي ترجع إليه في الشدة هو الذي يرجع إليك ويحتاجك لتصلحه إن كسرته الريح، أو أطاحت به العوارض، فإن وقع تقيمه، وإن كسرت ذراعه أصلحتها، وإن جاء السيل جرفه، وألقى به في الوحل، إذن: كيف يتخذ هذا إلها؟ وتعرفون قصة سيدنا إبراهيم لما حطم الأصنام سأل قومه:

أأنت فعلت هذا بآلهتنا يإبراهيم * قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون

[الأنبياء: 62-63]. وهكذا أوقفهم نبي الله إبراهيم على كلمة الحق التي لا يستطيعون إنكارها، وهي أنهم جمادات صماء لا تنطق

فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون

[الأنبياء: 64] لكن سرعان ما تنبهوا إلى خطورة هذا الاعتراف، فعادوا إلى ما كانوا عليه من المكابرة والعناد

ثم نكسوا على رءوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون

[الأنبياء: 65] عندها رأى إبراهيم أن يجابههم بهذه الحقيقة التي يحاولون الانفلات منها

قال أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم * أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون

[الأنبياء: 66-67]. لذلك يرد الله عليهم: ﴿ لا يستطيعون نصرهم وهم لهم جند محضرون ﴾ [يس: 75] فهم لا ينصرون عابديهم، إنما العابدون هم الذين ينصرونهم، ويوم القيامة سيجمعهم الله معا، لا يحشر العابد بدون المعبود لتكون المواجهة، فلو حشر العابد وحده لانتظر معبوده ينصره ويدافع عنه، إنما يحشر الجميع معا، كما قال سبحانه:

ما لكم لا تناصرون * بل هم اليوم مستسلمون

[الصافات: 25-26]. وقال سبحانه:

احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون

[الصافات: 22] أي: أحضروهم معهم في النار، العابد والمعبود، والمعنى أن هذه الأصنام ستكون وقودا للنار التي يعذب بها العابدون. وبعد ذلك يعود السياق إلى رسول الله، الذي يكابرون فيه ويعاندونه: ﴿ فلا يحزنك قولهم إنا نعلم... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩١٦